لا توجد تعليقات

الزنـبـق (قصة): علاء أبو جحجوح

الزنـبـق

علاء أبو جحجوح

كنت على موعدٍ مع النوم، بعد عناء يومٍ طويلٍ، فلم أشعر بالرغبة في النوم منذ ليال، فانتظرت تلك اللحظة لأكون جثة هامدة على فراشي، فأخذت على نفسي وعداً، أن أريح جسدي وأعطيه ما يتمناه من ساعات قليلة للنوم، ليستعيد نشاطه وليبقي حاضراً ومستعداً، لكن عقلي يرفض الاسترخاء تماماً!!، ينقب في ذاكرته عن ماضٍ شبه متآكل، يتتبع أحداث يومية من الصراع على مدار سنوات طويلة، يتفحص ذلك عن كثب!!، حتى أصبح عاجزاً عن التفكير، يفقد البوصلة، رغم قدرته على التحكم بذلك بشكلٍ جيد، مشككاً بكل ما يسمعه من أخبارٍ حوله من إذاعة ، أو تلفاز، أو مارة الطريق، غير مصدقٍ تماماً لما سيحدث هذه الليلة من أخبار، فقد تكون الساعات القليلة القادمة المتبقية من الليلة مبشِّرة!! فعذراً يا جسدي لن تنعم بالنوم أيضاً الليلة، فدعنا سوياً ننتظر ما تبقى من عتمة، حتى يتحقق حلم المستيقظ، فكم أنا توَّاق لرؤيته مثل غيري من سنين، فأحاطوه بالأسلاك الشائكة، وكاميرات المراقبة، فالطير لا يكاد الوقوف على تلك الشائكة، خوفاً منها لتحمل رسالة لفدائيين. من شدة القيد يفشل الطير، ليزف لنا خبراً عن زرقة البحر وعن رمله اللامع من أشعة الشمس، وأصدافه المتحركة من أثر الموج، ذات الصوت الناعم، فلا يستطيع البحر إطعام شباك السمك، ومراكب الصيادين المحتجزة، الراكدة على الشاطئ بشوق لليلة صيد. وأما هي غاية في الجمال، فجسدتها على حائط الغرفة بأناملي وبألوان بسيطة، فاقدة مهارة الفنان، وكلما تذكرتها يبتل ما بين يدي من دمعي، لا أعرف سوء الحظ لي أم لها؟! فتداس بأقدام المغتصب، وتدفن بين التلال، وتقلع من جذورها الرقيقة… وبعد تبريره لجسده، وشكواه لنفسه، وفقدان السيطرة على عقله اليقظ، يبدأ الهدوء عليه، يقترب من فراشه ويهم ّعليه متعباً، فالمسافة صعبة القياس بين الوسادة ورأسه، وقرار النوم لم يؤخذ بعد، فالوقت أقرب لصبيحة يومٍ جديد فعلامات بزوغ الشمس تؤكد نفسه. فرك عينيه، يتثاءب مئة مرة، يقاوم ذلك على أمل أن تعم فرحة الانسحاب، يتمايل وسط مبيته، يفقد توازنه، يشكو لهو جسده منهكاً من قلة النوم، يتجاهل كل ذلك، يقلِّب قنوات عدة من الإذاعات المحلية فتنتهي موجات الليلة، وتبدأ موجة صباحية، والخبر غائب، قرآن كريم وصوت فيروز… يدقق بأشيائه باستغراب، ما هذا؟! تكبر مرة وتصغر مرة، ليست بهذا الحجم أعرف حذائي. يتحسس رأسه، يتعكز على خصريه، وأثناء استغرابه لحجم الأشياء أمامه وضعف خصريه لإسناده، سيطر عليه النوم تماماً رغم أنف عقله، فصوت الشخير أخذ يتباعد من دائرة الفراش. يعلو صوت الرصاص بعد دقائق من نومه وينتشر في سماء المدينة، مكبرات الصوت تنادي أهلها متزامنة مع شروق الشمس، يحوم الطير، يعلو ويهبط، زقزقة العصافير تغرد بنغمة تفوق حجمها فرحاً، يفزع من فراشه، يخاطب الأشياء من حوله بصوت متكاسل مهتز، لقد فعلها العدو واقتحم المدينة. يا له من غدارٍ حاقد!
ما سمعته عن انسحاب العدو من المواصي كان كاذباً. ما هذا؟ صوت زغاريد؟ ما الذي يجري بالخارج؟
يوجه سؤالاً لأمه: ماذا تقولين؟ انسحب الاستيطان من غرب المدينة؟! يعني بإمكاني الذهاب إلى البحر؟! يجلس بجانب حذائه:
_ وأخيراً سأراها، كم أنا مشتاق إليها.
_ ما بك يا بني؟ عمَّ تتحدث؟! على ما يبدو لم تصحو بعد، اذهب إلى فراشك فأنت لم تنم منذ ليالٍ.
_ لا لا يا أمي أنا بخير. ألم تكن بجانبي الليلة؟ أين ذهبت؟! ساعديني يا أمي بالبحث عنها.
تسخر منه: _ إنها بين يدك والأخرى في قدمك اليمنى. أين أنت ذاهب يا (أحمد)؟ لا يوجد جامعة اليوم.
_ سأرى ماذا يحدث في الخارج يا أمي.
_ الأخبار غير مؤكدة يا أحمد، تمهّل قليلاً، ودع الشمس تعلو فيتضح الأمر، و دعني أحضر لك الفطور.
_ لا داعي للقلق يا أمي.
وهو يرتدي حذاءه في قدمه اليسرى، يتحدث بصوت خافت مع جسده وأمه، والفرحة تملأ وجهه النائم وجسده المنهك. يحاول أحمد الوقوف على قدميه، يفشل من شدة الإرهاق، يزحف نحو أمه، تفرد ذراعيها الضعيفتين لاستقبال رأسه: ما بك؟ هل أنت بخير؟
_ كنت أتمنى لو أن أبي بيننا في هذه اللحظات، لأجلب له منها الكثير، يومها لم يكن الأمر بيدي بل أُجبرت عليه وشعرت بقسوة شديدة. وخاصة وقتها.. كنت برحلة بحرية ألعب في البحر، فمرة أختبئ بأمواجه المتتالية لثوانٍ، ومرة يقذفني على الشاطئ؛ فيطمئن قلب من حولي عندما يكشف الموج عني، تعلو ضحكات المصطافين من جديد فيعود الموج يقذفني مرة أخرى. استمر الأمر على هذا الحال حتى انتهيت من ركوب الموج، فاسترحت قليلاً على رماله اللاسعة من حرارة الشمس لبضعة دقائق، لأبدأ بتنفيذ أمر أبي بأن أحضر له منها القليل، وبكل حرص وحذر كنت أقول بيني وبين نفسي: أنا صغير لا يعقل أن يراقبوني. فتعمدت أن لا أرتدي شيئاً سوى ستر عورتي، فكلما اقتربت من الأسلاك والكلاب المجندة؛ يبتعد عني البحر والشمس والطير من فوقي، وأبي والبحر من خلفي ينتظرون عودتي. اجتزت السلك الشائك لكي أحضر بعضاً منها لأبي فازداد غضبي، كنت أسأل نفسي من تكون هي؟! ولماذا لا توجد إلا هنا؟! فالبحر واسع الشاطئ، فكلما اقتربت منها يغرني مكان آخر لأقتطف منه، كانت متناثرة بين أسلاك مستوطنة “غوش قطيف” الشائكة في مدينة خان يونس، وأعتقد ان لا قيمة لها…! لكني كلما اقتلعت واحدة يزداد حبي لغيرها، فتجاهلت نباح الكلاب وشكشكة السلاح، فتأنيت بجمعها، شممت رائحتها، أطفأت حرارة الصيف، عجزت أمامها، فقدتها من جوانبها، فأثارت عيني وقلبي، فأخذت أقتطف الزنبق، ملأت يديَّ وفمي وسترة عورتي منها، تعالى صوت الرصاص ونباح الكلاب.. لم أكن محظوظاً، فالتفت حولي فوهة البنادق…
“ارفع يديك فوق رأسك”. تركتها بين التلال ومعها ملبسي بناء على رغبة الضابط المستعمر… واعتذرت لأبي.

قد يعجبك ايضا

المزيد من المقالات المشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Fill out this field
Fill out this field
الرجاء إدخال عنوان بريد إلكتروني صالح.
You need to agree with the terms to proceed

القائمة