نصوص

السؤال كما هو كائن: هاشم شلولة

السؤال كما هو كائن

بقلم: هاشم شلولة/ كاتب فلسطيني 

كثيرة استنباتاتُ السؤال في هذا العالم، حتى لو كانت الرغبة وموارد السؤال في عداد الهزلية التي تقود إلى انتحار تلقائي لعلامة السؤال بحبلٍ مجدَّل بالأحداث السريعة، والتي هي عكس بطء أنفاس السؤال الفلسفي. الآن؛ هل أحلّ هذا الانقلاب اللائكي العالمي والقائم بتواتر سريع وملفِت وأشبه بالواضح محلَّ فلسفيةِ السؤال مجتمعيتَه وظاهرَه والشق المُتعلّق بحماية الإنسان من السؤال أولًا ومن التطورات التي لا تُكف عن ركضٍ هستيري؟ هل السؤال بات وحشًا في زحمة الاستطردات الأحداثية القائمة؟

ليس السؤال بمُستَشرِفٍ للخيبة أو كَفٍّ تصدُّ خطوات العالم التي تنمو بالتزامن والتتالي، لكنّه بات كذلك كلامًا منسيًا إن أحسنّا الظن بالدرجة التي وصل إليها _اعتقادًا ظنيًّا لا يخرج من نظريةٍ محض_ لأنَّ نسيانه يعني قوامه واستمراريته، يعني أنه لا زال في غمرة الصوت المسموع، حتى لو كان هذا الصوت لا يسمعه إلّا السائل، وذلك ضمن سجل من يفكّر فردًا، أما عن الجماعات فقد قوّضت السؤال بتلك العفوية التي تنال من كلّ ذي نقاطٍ تمتد؛ لأنَّ الجماعة هي القبيلة وهي الدولة وهي المجتمع كاملًا، تعرّش الجماعةُ نفسها بالدساتير التي يكون أشدّها وأقصاها معيشة، والمعيشة إن تواجهت مع السؤال فبالتأكيد ستتفوق عليه.

إن كان الإنسان عادلًا وأثينيًا لو في منطقة تصورية واحدة، وهذا مُستبعَد إلّا ممن هو خارج دائرة الاكتشاف والتسارع؛ فإنَّه سيصل إلى توازي السؤال مع المعيشة توازيًا واحدًا ومنزويًا، وبِعداد غير المهم؛ لأنَّ المعيشةَ مؤسسة، والسؤال تكليل واكتمال وتعريش، وما يحمي استمرار قيامته أنه ليس كمالًا، ولو كان كذلك لبات كرداءٍ جديد أو ربما بيت لو رفعنا قيمته، ولن تكون لحظتها سوى قيمة مادية، تتشابه مع أرصدة ومكونات المعيشة التي تقود إلى التجسيد والترسيخ والديمومة كواحدة من اتصالات الفرد مع حياة ملموسة وجاهزة، تتقاطع مع تنوعية الإفرازات السؤالية عقليًا ومنهجيًا تصل لحدود غيبية في مناطق تناول مختلفة تتباين حسب نوع التأمل.

كثيرةٌ الأنظارُ المتربصة بالسؤال، والتي ترفع دون قصدٍ لواء نهايته في محافل الاستمرار والزمنية، وحتى محاولات طمس قيمته الحقيقية واختزالها الجارف في البحث التنموي والبنائي فإنسان العصر لا يستطيع فهم أنَّ السؤال أداة هدم محصلتها البناء، وليس التجديد أو العكس، لأنَّ البناء الذي يعقب الهدم بناءً مُستميتًا للإعادة والتدوير المُراد منه استقامة وصولية حقيقية لكنّها ليست حلولية، وهنا بالضبط تتجلى النزغة النقيضة لما يتم طلبة من السؤال سواء من قِبَل الجماهير والشعوب أو من الفرد والذات مهما كانت قيمة وثقل كل واحد منهما في خضم جهوزية السؤال، حتى لو كان مشروعًا كأن يكون صوابيًا من خلال الاستفراد بالأفكار.

السؤال طويل جدًّا وليس بغاية فالإنسان اليوم هو أداة في يد غايته تتلاوحه وتسير به نحو نفسها، ليس واضحًا بكل ما فيه من وضوح إذا تم تسييره، أما الوقت وهو المُعبَّأ والمزدحم بالشفهية، التي لا تتعدى كونها صوتًا _هذا الوقت_ قصير، والمسافة بين الوقت والسؤال طويلة وسائلية أشبه بالفقاعة.

لا أجزم بأنَّ السؤال مات، ولكنّي أستطيع الجزم بأنَّ الذهول الذي يأتي في المرتبة الأولى من مراتب السؤال؛ بات أضعاثُ ردود أفعالٍ وجحوظ عينين.. ثُلّة السائلين ضئيلة ونحيلة، أما الزمنية فوحشٍ بفمٍ كبير ومفتوح وجاهز للبلع في كل وقت وحين. العزاء للسؤال، وليس السائل ففرق القيمة شاهق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى