1 تعليق واحد

العاصفة: عبد الرحمن أحمد

العاصفة

العاصفة

عبد الرحمن أحمد/ موريتانيا


الدقائق الأخيرة من الشوط الثاني، هتف مشجعٌ بهستيريا: شيء ما يتشكل!
تمَّ ايقاف المباراة بعد ذلك مباشرة؛ انطلق الفريق الزائر عائدا إلى قريته، وعين كلٍّ منه تراقبُ الأفق حيث تتشكل عاصفة مخيفة جدا..
على بعدِ كلم ونصف، كان الأهالي في حالة من القلق والتشتت شديدة، لا يدرون ما الذي عليهم فعله تحديدا، أمُّ تبكي بحرقة، تُمتمُ بدعاءٍ، أبٌ على كثيب رمليِّ مرتفع ينظر هل يرى أحدا وهكذا، لكنّ العاصفة كانت أسرع من سَيَلانِ دمع الأم القلقةِ على ابنها.. أسرع من تَدفُّقِ أسئلة الطفل القلق على أخيه.. أسرع من حركة عين الأبِ الباحثة عن ابنه؛ أسرع من ركض أفراد الفريق العائد، باغتتهم بعدما تراءت لهم القرية_من خلف الشُّجيراتِ المتناثرة، بقايا الغابة التي اختفت بفعل تتابع سنين الجفاف..
“تجمعوا.. تجمعوا.. سيروا معا.. لا تتفرقوا!”
كانت مظلمةً.. مؤلمٌ وقع تيارها على الجسد.. مُعمٍ سوادها للعيون؛ واصلوا سيرهم دون هُدى، وبعد أن قطعوا مسافة لا بأس بها نادى أحدهم:
“أظنُّنا ضِعنا، بالتأكيد لا أبصر شيئا، لكن ما قطعناه جاوز ما يقطعه السَّائرُ نحو القرية، حتى مع أخذنا الظُّروفَ الحالية بعين الاعتبار، الأفضل أن نتوقف.”
ردّ آخر: “أنت محق، إن لم تخني يدايَ، فأنا الآن أمسك بهما سياجا، ومعنى ذلك أننا انعطفنا عن مسارنا؛ أنتم تعرفون أين يقع السياج من القرية.”
هتف ثالث: “إذن فلبحث عنه ولنتمسك به.”
تمسكّوا بالسياج طوقَ نجاة، تاركين أجسادهم للعاصفة وتيارها القويِّ، وما يَحمل من أتربَة وحجارة، طال انتظارهم، بدا لهم الوقت تائها، لا تهتدي عقارب ساعته على بعضها، ودّ كل منهمدونَ أن يُعلن الأمرأنه لم يخاطر بالخروج.
“إنها تنشقع” صرخ أحدهم كما لو أنه يهمس، تسرب الضوء من وسط العاصفة؛ أخذت في التَّلاشي، اكتشفوا أنهم ضاعوا بالفعل، وأنه لولا اعتراض السياج طريقهم، كانوا ماتوا من المسير في الأرض المفتوحة..
انقلبوا عَائِدين وكلهم جافُ الحلقِ .. متشققُ الشِّفاهِ .. مغبر الوجه والشَّعر .. مُتعِبُ الجسم.. خاوٍ قلبه، رغم أن المطر الذي نزل بعد العاصفة لَطَّف الجَوّ وصقل الأفق.

قد يعجبك ايضا
وسوم: , , ,

المزيد من المقالات المشابهة

1 تعليق واحد. Leave new

  • الحضرامي
    أغسطس 17, 2021 5:27 م

    جميل كعادتك قصة جميلة و رائعة و لكن الغلاف عكس وجهة نظر علي أنها عاصفة ثلجية و لكن الواقع في القصة أنها رملية لم توفق فيه و الباقي كما قلت أنفا دمت متألقا

    رد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Fill out this field
Fill out this field
الرجاء إدخال عنوان بريد إلكتروني صالح.
You need to agree with the terms to proceed

القائمة