لا توجد تعليقات

انعكاس الإبداع في مرآة المجتمع

انعكاس الإبداع في مرآة المجتمع

خالد جهاد – كاتب فلسطيني

يستمتع الكثير منا بالأعمال الفنية والأدبية والثقافية على اختلافها، سواءً كنا متابعين عاديين من الجمهور، أو متعلقين بالنتاج الفكري والثقافي والفني، أو حتى كنا نعمل أو نقوم بتقديم هذه الأعمال.
لكننا اعتدنا لعقودٍ طويلة قبل الثورة الرقمية، على تداول هذا النتاج أو نسخه أو تصويره أو نقل أجزاء منه لتكون جزءاً من نشاطنا اليومي للاستمتاع به، وأحياناً نواةً لعمل نقدمه ونستعين ببعض تفاصيله لإعطاء فكرتنا زخماً أكبر بشكلٍ جزئي، وأحياناً تصل إلى استنساخ العمل أو بعض مقاطعه كلياً اعتقاداً أن المتلقي لن يلاحظ ذلك، وبمرور السنوات ومنذ قرابة عشرين عاماً بدأت قرصنة الأعمال الفنية تشهد رواجاً لافتاً بين الناس، سواءً كان لأعمال أدبية أو موسيقية أو سينمائية.
وفي حالات تشمل بعض الإصدارات للكتب أو التصوير الفوتوغرافي يتم سرقة المحتوى وإزالة اسم صاحبه ونسبه إلى شخص آخر، مما يتسبب بخسارة هائلة لكل الشركات الممولة لهذه الأعمال، ويؤدي إلى تراجعها عن الإنتاج أو تبنيها خوفاً من القرصنة والخسارة وضياع الجهد المبذول في تحضيرها، لتوجد لاحقاً على قنوات أو مجلات ومواقع مغمورة، أو تُباع على الأرصفة، أو يتم تصوير الكتب وبيعها مما يؤدي إلى كساد الصناعة وإحباط صناعها. وفي السنوات الأخيرة، تم عمل حصر لاحتواء هذه الظاهرة وتقنينها تمهيداً لإضعافها والقضاء عليها من خلال متابعة الفضاء الإلكتروني باستمرار، وتتبع المواقع الإلكترونية التي تسرِّب هذه الأعمال واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقها، وحصر الأعمال ضمن منافذ بيع أو منصات معتمدة لإيصال المحتوى مادياً أو إلكترونياً، وقد سبَّب ذلك إزعاجاً للكثيرين رغم استجابتهم له مع المحتوى المتعلق بالرياضة، لكنها لا زالت تقاوم ذلك مع المحتوى العلمي أو الأدبي أو الفني.

وهذا النظام هو السائد في الدول الغربية ويشمل حتى القنوات التلفزيونية والإذاعية ودور النشر والسينما ومختلف وسائل الإعلام، حيث إنه لا يمكن حتى الاستشهاد بحوار من فيلم أو سطر من رواية بأكثر من جزء بسيط جداً ضمن عمل آخر إلا بإذن مسبق من المؤسسة المنتِجة للعمل، مع الحصول على مقابل مادي جرَّاء استخدام جزء من عملها في عمل آخر، وهذا ما يجعل الأمر منظماً ويضمن الحقوق الأدبية للجميع ويساعد على استمرار الإنتاجية وتحمس المبدعين لتقديم المزيد، فلن توجد رغبة في تقديم أي عمل عندما يكون هناك علم مسبق بأنه سيتعرض للسرقة في غضون أيام أو حتى ساعات أحياناً، أو حتى نسخه والاستعانة ببعض أجزائه حتى لو كان هذا العمل جزءاً من الثقافة الشعبية، لأن الثقافة بحاجة إلى حمايتها وإعطائها قيمتها لتظل محتفظةً برونقها وقيمتها كإرث غير مادي لأي شعب، ورافد من روافده الحضارية. وشهد هذا المجال مؤخراً تعاوناً من العديد من المنصات والمواقع الشهيرة في هذا الخصوص والقيام بسحب أي محتوى مقرصن في حال التبليغ عنه، وهذا من جهة يدفع الناس لتقدير قيمة المنتج الذي يريدونه؛ فيحسِنون اختياره لأنهم يدفعون ثمنه ويبذلون جهداً ولو بسيطاً في الحصول عليه، ومن جهةٍ أخرى يرفع قيمة الثقافة والعلم والآداب والفنون ويدفع المسؤولين عنها لتقديم الأفضل، لمعرفتهم بأن حقوقهم محفوظة دون الانسياق خلف تقديم محتوى سطحي وتجاري يخلو من القيمة، ويدفع الطرفين من ناحية المبدع أو المتلقي لتقدير قيمة ما يختارونه مما ينعكس على قيم المجتمع ووعيه وثقافته، لأن حفظ حقوق النشر وحقوق الملكية الفكرية والأداء في أي مكان لا يعني فقط فئةً معينة، بل يشير إلى حالةٍ من المسؤولية والتماسك والالتزام والأمانة التي يتمتع بها هذا المجتمع، وتظهر من خلال احترامه لقيمة الفكر والإبداع الحقيقي ومجهود المبدعين، ووعيه وقدرته على اختيار الأفضل كي يستمر ويخطو إلى الأمام.

قد يعجبك ايضا
وسوم: , , , , , , , ,

المزيد من المقالات المشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Fill out this field
Fill out this field
الرجاء إدخال عنوان بريد إلكتروني صالح.
You need to agree with the terms to proceed

القائمة