لا توجد تعليقات

حوار مع الدكتور البوجي “رئيس جمعية النقاد الفلسطينيين” عبر مجموعة” حبر أبيض” في الفيس بوك

حوار مع الدكتور محمد بكر البوجي “رئيس جمعية النقاد الفلسطينيين” عبر مجموعة” حبر أبيض” في الفيس بوك

مراجعة: قسم التدقيق اللغوي في صحيفة اليمامة الجديدة

كتب الشاعر السوري مردوك الشامي:
محبرة لا تنضب من أفكار ورؤى، ورؤية نقدية تؤسس للاختلاف، ورصيد إبداعي ورقي وأثيري لمواقف من الحياة والأدب والأدباء خلال سنوات من عطاءٍ أكاديمي وحراك فاعل حفر عميقًا في المشهد الفلسطيني والعربي .
هذا هو ضيفنا الناقد الأستاذ محمد بكر البوجي، ولنا أن ندخل مسيرته وأفكاره بأسئلة بلا حدود، وله أن يمتعنا وأن يضيف لحبرنا الأبيض الكثير من الفائدة والسطوع..
الناقد والأديب الفلسطيني محمد البوجي ضيف مجموعة حبر أبيض السبت 19 حزيران 2021.

موسوعة ثقافية جادة، وقلم نقدي واسع الرؤية والرؤيا، يحمل في مخزونه الفكري أبجديات كشافةً، وتجارب لمبدعين كثر من فلسطين والعالم العربي، توغل في نتاجهم باحثا عن الضوء ، والظلال أيضًا.
محمد بكر البوجي، المولود في غزة، والأستاذ المحاضر في جامعاتها لسنوات في مادة النقد، والمقيم حاليًا على صفحات الاغتراب، ضيف السبت في ملتقى مجموعة حبر أبيض.
حضوره بيننا فرصة مهمة لكي نتوغل في حال النقد، وأسئلته وأزمته المعاصرة.

زهرة الحنفي، من بيروت.

  • هل النقد دائمًا ما يكون إيجابي أو هناك نقد سلبي أحيانًا، وهل للناقد دور كبير مع شعراء يعني هل هناك أحد من الشعراء يتخذ موقفًا ما سلبي في حال كانت الانتقادات حادة بعض شيء؟
    أهلًا أستاذة زهرة الحنفي، سؤال مهم جدًا، مفهوم النقد عندي هو التحليل، فلا يحق للناقد أن يقول للكاتب افعل ولا تفعل، النقد هو تحليل العمل الأدبي جماليًا وثقافيًا، بمعنى أن العمل الأدبي إذا وصل إلى مرحلة ناضجة أتعامل معه وأتحمل مسؤولية جودته وأقوم بتحليل مفرداته، أما إذا كان العمل لا يصل مستوى النقد فلا أتعامل معه إطلاقًا. الناقد الرفيع يتعامل مع أعمال جيدة تصل مستوى النقد، أما إذا كنت في حالة مشورة قبل الطباعة ممكن عملية ترشيد وتنبيه الكاتب.
    إن الناقد إنسان مثقف واع يعرف دربه، وليس جلادًا ولا يحق له أن يكون قاسيًا على العمل الأدبي أو صاحبه، العمل لا يعجبك لا تقترب منه دعه لغيرك، إذا العمل الأدبي الجيد فيه هنات بسيطة ممكن في نهاية التحليل إما أقوم بتخريج هذا الخلل والإشارة إليه، أو نقول بهدوء إن الكاتب هنا لم يوفق في رأينا للسبب التالي.

مردوك الشامي ، من سورية.

بداية كل الترحيب باسمي وباسم إدارة وأعضاء حبر أبيض بضيفنا الجليل الدكتور محمد بكر البوجي وأسأل:

  • لماذا في المشهد الأدبي العربي القديم والمعاصر فائض نتاج أدبي على تنوعه بين الشعر والرواية، وضحالة في النقد؟
    -من خلال مسيرتك المديدة ناقدًا، ومدرسًا للنقد، كيف تضع للناقد المقاييس ، والملامح لكي يكون ناقدًا فاعلاً؟
    -غالبية النقد المعاصر لا يلامس أدوات النقد ونظرياته، هو يصب أكثر في الانطباعي، والصحفي، والمسايرات المتبادلة، لماذا لم تقدم الأكاديميات نقادًا فاعلين في المشهد الثقافي الحديث؟
    -من خلال تجربتك ونتاجك المكتوب، تلامس النتاج الفلسطيني أكثر، كناقد أين تضع الشعر الفلسطيني اليوم، وهل الشعر في الداخل المحتل يختلف عن شعر المنافي واللجوء؟ الاخ الشاعر الكبير مردوك الشامي: حول فائض الإبداع الأدبي وقلة النقد، سؤال يردده كثير من المبدعين، ليس في الوطن العربي فحسب وإنما في كل الآداب العالمية، فالإنتاح الأدبي عمل فردي مزاجي، ليس هناك وظيفة اسمها شاعر وإنما تقوم العملية الادبية على خصوصية المبدع دون اللجوء الى احد لمساعدته في عملية الإبداع، هنا يأتي دور النقد في كشف خبايا العمل الأدبي الجيد، بينما طبقات الكتاب كثيرة منها الغث ومنها السمين، فلا ينظر الناقد إلى الغث، العملية النقدية شاقة وتحتاج إلى إعمال العقل ضمن سياق فكري معين خاص بالناقد، تعتمد على شغف الناقد نحو العمل، استطاع النقد أن يملأ رفوف المكتبات، لكن من منا قرأ كتابا نقديًا، لهذا تكون درجة الناقد أقل من درجة المبدع، قليل هم قراء كتب النقد، وقد لا يفهم عوام الناس ما يكتبه النقاد لأنه يغوص في أعماق التحليل اللغوي والجمالي والنفسي عبر مذاهب وتيارات قد تصعب على المتلقي العادي.
    وحول مقاييس النقد، إن النقد عملية تحتاج الى ثقافة واسعة ورؤية للحياة والكون، إن الناقد يتعمق في الاطلاع على ما كتبه النقاد السابقون وعلى أحدث المناهج النقدية وعلى الأعمال الادبية المهمة محليًا وعالميًا، مع امتلاكه التحليل اللغوي وتفسير استخدامات مغايرة للمفردات، الكتابة الناقدة ليست سهلة .
    الشاعر الكبير مردوك الشامي سؤالك الثالث ممتاز جدًا، وهو مركب من سؤالين: النقد المنتشر الآن نقد صحفي وهو أسرع أنواع النقد، صحفي يريد ملء العمود الخاص به فيكتب نقدًا في العموميات ويأخذ بأطراف النص، أما النقد الأكاديمي في عميق في كل مفردات النص الجمالية والفكرية والثقافية وهو غالبًا يكون في أسوار الجامعات، وقليل منه ينتشر في الصحافة، أما الفرع الثاني من السؤال وهو سؤال ذكي جدًا يدل على اطلاع السائل: هل الشعر الفلسطيني في داخل فلسطين مختلف عنه في المنافي مؤكد أن المناخ العام حول الشاعر يسهم في تشكيل القصيدة فكريًا، في داخل (٤٨) أي الفلسطيني المقيم على أرضه تحت حكم الصهاينة له موضوعات قد تختلف مثل: مصادرة الأراضي، عدم المساواة أي التمييز العنصري، بكاء الأهل الذين شردوا، أما في غزة فقد كان الإبداع توجها قوميًا ناصريًا مع الكتابة عن العودة إلى الوطن والتحرير وخيام التشرد، إلخ .أينما يقيم الشاعر الفلسطيني قد يتبع فكر نظام الحكم، لأنه مقيم ويخاف على لقمة عيشه أو فعلًا هو يقتنع بفكر الحاكم، مثلًا: في العراق وسورية هو فكر قومي بعثي، في الخليج متدين يرى الصراع من خلال الدين، المكان له تأثير على فكر الشاعر ونبض النص .

كامل سيف الدين، السودان.

-كل التحية دكتور، سؤالي إن كانت الرواية إحدى أبناء الكاتب من خلالها يبقى ويستمر ذكره ما دور الكاتب بعد نشرها لتبقى ولتحقق أحلامه في ترجمتها وانتشارها حول العالم لإيصال أفكاره وأهدافه فيها؟
سؤال القلق، ما دور الكاتب بعد صدور عمله، إذا صدر العمل مطبوعًا وتم توزيعه، صار ملكًا للجميع ليس من حق كاتبه الاعتراض على أي تحليل موضوعي في داخل النص، طبعا من حق الكاتب أن يحلم بترجمة عمله إلى لغات أخرى، ومن حقه أن يطمح في أن تنظر إليه الجامعات بدراسات أكاديمية وأطروحات، إنه يتابع ردود أفعال الناس بقلق، كلما زاد البيع كلما اطمان على جودة عمله، في الوطن العربي فورًا يتم سرقة العمل وتزويره وبيعه في أنحاء واسعة دون علم الكاتب، ليس هناك في الوطن العربي كاتبًا اغتنى من كتاباته، الكاتب في الأغلب يعيش مستورًا او مشردًا من وطنه هربًا من نظام حكم يطالب بسجنه لأنه يطرح وعيًا جماهيريا مخالفًا لسلوكيات الحاكم.

مايا رائد، سورية.

تحية إجلال وتقدير لشخصك الكريم.- سؤال :بين الأمس واليوم كيف ترى الهوية الفلسطينية وأنت الحريص دائمًا على تجلي صورتها وتوثيقها بعمق القضية من خلال موروثك الثقافي وبعدك النقدي ؟؟ مع جزيل الشكر والامتنان.

الأستاذة مايا رائد، سؤالها عن الهوية الفلسطينية.

  • أشكرك على حرصك الشديد وهذا القلق على الهوية الوطنية الفلسطينية، أقول: الهوية العربية الفلسطينية هي جزء لا يتجزأ من الهوية العربية، هذا مبدأ لا تنازل عنه العرب هم العمق الاستراتيجي للقضية الفلسطينية والحافظ الرئيس لها، لكن أحيانًا في كتاباتنا نحاول الاستقلالية نوعًا من التفرد في البحث والاستقصاء لأننا أصحاب قضية بالدرجة الأولى، الهوية الوطنية الفلسطينية موجودة، رغم محولات العدو القضاء عليها. اتخذت جامعة الدول العربية في خمسينيات القرن العشرين قرارًا بعدم تجنيس الفلسطيني القيم في بعض الدول العربية حفاظًا على الشخصية والهوية، هذا ساعد لا شك في بقاء الفلسطيني في الدول العربية الموروث الثقافي المنتج عمل على إظهار الهوية الوطنية العربية والإسلامية الفلسطينية. سواء في الشعر أو الرواية أو البحث الأدبي والتراث الشعبي، هناك موسوعات ظهرت في التراث الشعبي الفلسطيني، وفي التراث الأدبي الفلسطيني، وفي الفن التشكيلي الفلسطيني وفي إنتاج الجامعات الفلسطينية، نحن نعمل جاهدين على إبراز شخصيتنا وقضيتنا في كل العالم وبكل اللغات .. ليس هناك شخص في العالم لا يعرف القضية الفلسطينية، وكل يوم يزداد المؤيدين لها. لكن تبقى البندقية المقاتلة هي الفاعل الأهم، نامل أن تلتفت السياسة العالمية للدول الكبرى للمساهمة في وضع حلول تحفظ حياة الفلسطيني أمنه في وطنه.

مروان محولي، ألف تحية ووردة- ماذا يقدم النقد لنص إبداعي؟ هل يجب أن يكون الناقد أعمق وأكثر إبداعًا من صاحب النص كي يقدم نقدًا جديًا جديدًا؟

  • الأستاذ مارون محولي، ماذا يقدم النقد للنص، سؤال مهم جدًا ويطرحه كثيرون بل يقول البعض أن الناقد عالة على الأدباء، أقول: نفترض إنه لا يوجد نقد، فما البديل، كلمة نقد اصلا كانت تقال لمعرفة العملة النقدية الصحيحة من المزورة، ثم انتقلت إلى تحليل الإبداع، من مهام النقد أن يفرق بين العمل الإبداعي الجيد من الضعيف، يقوم بتحليل وشرح أسرار الجمال والدهشة في النص القوي، هذا يدفع المبدعين إلى تحسين أدواتهم الابداعية، يقول البعض إن الناقد وسيط بين العمل الإبداعي وبين المتلقي يشرح له سر جاذبية العمل وأين تكمن أسرار الصنعة الأدبية، قد يكون هذا القول صائبًا، لكن دور الأديب أبعد من ذلك بكثير، إنه يعمل تحليل الإبداع تحليلًا ثقافيًا وأحيانًا تاريخيًا وجغرافيًا، إنه يوسع دائرة وعي المتلقي تجاه النص، يصير النص أكثر انفتاحا وأكثر عمقًا لدى المتلقي، قد يكون النقد تشكيليًا أو سينمائيًا، يقوم الناقد بتحليل مغاليق العمل وتوسيع ضفافه وسبر أغواره، مهام النقد واسعة تحتاج إلى جلسات، اشكرك اخ مارون على اهتمامك.

زياد عقيقي، شاعر من لبنان.

ألف تحية، هل يستطيع ناقد بمشرط الثقافة ومدارسها أن يسبر أعماق روح النص؟ ألا تنقصه أداة تجربة البدع ليخبر حيثياتها؟ وأي المناهج النقدية أقرب إلى ريادة الأعماق النصية في رأيك؟
كلامك صحيح، الدارس والصانع أكثر قدرة على معرفة الصحيح من غيره، الأديب الناقد أفضل من الناقد الذي لم يخض تجربة الإبداع، معظم النقاد يحاولون خوض تجربة الكتابة الإبداعية مثل الشعر أو الرواية .. الخ مثل طه حسين والعقاد وعزالدين إسماعيل وإبراهيم السعافين وغيرهم كثير من نقاد الوطن العربي، حقيقة إن صاحب التجربة مع الدراسة الأكاديمية تمنح الناقد وسائل أعمق في تحليل النص سواء عبر مناهج نقدية متعارف عليها أو يستلهم أكثر من منهج أثناء تحليل العمل الواحد، طبيعة شكل النص وأفكاره هي وزاوية رؤية الناقد هي التي تحدد طبيعة المنهج المستخدم في التحليل، المناهج كثيرة وكلها تؤدي دورًا معينا في سبر أغوار النص، أيضا قدرة الناقد على تقليب الأفكار على عدة وجوه وهذه نادرة تجدها فقط لدى كبار النقاد .
شخصيًا أنا لست مع الداعين إلى منهج اسلامي في النقد، فلا يجوز إدخال قيم وتعاليم ربانية لنجعله ميزانا لعمل إنساني، منهم إسلامي ومنهج مسيحيي وبوذي ويهودي .. إلخ، صعب أن نضع شعر امرئ القيس والمتنبي ودرويش والمعري في هكذا ميزان، الدعوة الدينية لها منابرها الخاصة.

الشاعرة زهرة الحنفي، لبنان.

أسال سؤالًا آخر: مسموح أو ممنوع في حال انتقدت شاعرًا وكانت قصائده رائعة ما ذا يكون مدحك فيه وفي حال انتقدت شاعرًا وكانت قصائده غير جيدة ماهي ردت فعلك له؟

الأستاذة زهرة الحنفي: اسألي كما تشائين، لا راد لأسئلتك، أما حول أن أمدح الجيد فهذا يقع ضمن تحليل زوايا الجمال في النص وتمكن الفكرة، يكون المدح رفعة للكاتب المبدع وتجليًا مع روعة ما أقرأ، أما أن أمدح ثم أعتذر ليس هذا عمل ناقد يعرف طبيعة قلمه.

زهرة الحنفي:

كل الاحترام بما أنك ناقد يدور في ذهني أسئلة كثيرة صراحة لكن أكتفي بثلاثة أسئلة، بما إنك ناقد ذو خبرة رفيعة المستوى برأيك كي يصبح شاعرًا مشهورًا هل هذا يتطلب كثيرًا من الوقت يعني لازم يكون لشاعر ثلاثة و أربعة دواوين وكذا رواية ليصبح شاعرًا لأن هناك شعراء يكون لهم ديوان ورواية واحدة مثلًا ويقال ويصبح شاعرًا بلمح البصر خصوصًا بوجود التواصل الاجتماعي: الفيس وتوتير والانستغرام وغيرهم من وسائل تواصل، وشكرًا.

الأخت زهرة الحنفي: أشكرك على ثقتك في هذا السؤال المتداخل في بعضه، أولا: المبدع ليس بكثرة انتاجه أو طباعة انتاجه أعرف من طبع على حسابه (14) رواية لكن لم أنظر إليه ولم ينظر إليه ناقد محترم، وهناك من عرض علينا أول اعماله مخطوطة واعترفت به مبدعًا، لأنه يحمل فكرًا ويعرف كيف يصيغ فكره في قالب أدبي راق مُؤسس على جماليات الكتابة وعلى أسس تقليدية متمردة في الإبداع، أما كيف يصير الكاتب المُبْتدِئ كاتبًا معترفًا به، أولا: لا بد من الموهبة وهي الأساس ثم يعمل على صقل موهبته وذلك بالقراءة الجادة في الرواية مثلًا لكبار الكتاب العرب والعالميين، أو كبار الشعراء، ثم يحاول التعرف على بعض المذاهب الأدبية، أي يتخذ له رمزًا أدبيًا يغرف من خبراته ثم مستقبلًا يستقل بشخصيته، أري أيضًا ان الكتابة الصحفية تعد مدخلًا جيدا لتعلم والتعود على الكتابة، معظم كتاب الرواية يبدؤون في كتابة المقال الصحفي ثم يطورون أدواتهم وأفكارهم إلى الرواية، الاطلاع على احتكاك الثقافات شيء مهم جدًا للكاتب، والأدب الشعبي المليء بالمعرفة الحياتية للشعوب، فمعظم أعمال شكسبير هي إعادة صياغة لقصص شعبية في أوربا، إذن لا بد للكاتب أن يتعب على نفسه حتى يصير كاتبًا صاحب مكانة.

تنديار جاموس، أديبة من لبنان.

  • لك التقدير دكتور محمد، ودعني أسألك كناقد معاصر، عايش أكثر من جيل شعري، أين تضع قصيدة النثر، وما موقفك من المعارك التي أثيرت وتثار حولها؟
  • كناقد هل توصل شعراء العرب المعاصرين إلى تجاوز الموروث في الوزن والقافية، وما الذي يمنع من التطوير والتجديد وحتى الإلغاء؟
  • من الواضح القول أن النقد مسؤولية وقوة ووعي، مثلما هو فعلٌ تأهيلي يدركُ صاحبُه أسبابَ العلةِ، وجدوى القراءة، وليضع نفسه أمام خيار مفتوح للمواجهة.

أشكرك على هذا السؤال القديم المتجدد، قلت في احدي ندواتي بالقاهرة (الشريط على صفحتي) إننا عاجزون عن تطوير ما خلفه لنا الآباء في مرحلة الستينيات، لا زلنا عالة عليهم، معظم الشعراء وكتاب الرواية يجترون تجارب الماضي بصورة باهتة، قلت أيضًا، أنا لا أحب الحديث كثيرًا عن شكل القصائد، أعطني شعرًا مدهشًا فقط سواء عمودي أو تفعيلة أو نثرية، لا أنظر كثيرًا إلى لون القميص الذي تلبسه، انظر إلى كلامك وسلوكك، هذا هو الشعر الحقيقي أن تلعب باللغة بطريقة ساحرة وأن تملأ اللغة فكرًا إنسانيًا وصورًا شعرية متحركة تثير في المتلقي دهشة القراءة، أنا أكره الالتزام، لا أحب المسطرة كسرتها، أسير بدونها، أختار طريقي بنفسي لا يرسمها لي أحد، هذا هو الشاعر المدهش المتغير المتجدد.
الذي يمنع التجديد والتطوير هو الردة الفكرية التي اجتاحت الوطن العربي في منتصف فترة السادات، وما بعده التطرف الديني الذي ترعاه أمريكيا والصهيونية، لأنه يعيق الفكر العربي عن الحداثة والتطور، إنهم يرجعون بنا إلى أفكار انتهت فعاليتها من مئات السنين، لا بد من ثورة فكرية تضعنا على قاطرة الفكر الصانع والمنتج للمعلومة وليس مستهلكا لها فقط.

نظام مارديني، كاتب في سورية.

هل هناك تداخلًا ما، بين علم البلاغة والنظرية النقدية، وخصوصًا في المناهج النقدية التي تتبنى تحليل النصوص الأدبية؟ للموقع بإدارته الكريمة وللناقد الضيف بالغ الاحترام.

الأخت نظام مارديني، أحييكم على سؤالك الذي يدل على وعي نقدي علاقة البلاغة بالنقد، عندما نشات الملاحظات النقدية في الأدب العربي في عصر ما قبل الاسلام كان الناقد يتكىء في نقده على اللغة والبلاغة، ثم جاء المفكر الكبير عبد القاهر الجرجاني واستخدم البلاغة بصورة موسعة في تحليل آيات القران الكريم. وفي بدايات القرن العشرين كانت البلاغة نقطة انطلاق الفكر النقدي، والآن يستخدم النقاد العرب مصطلح الانزياح، أي توظيف المفردة اللغوية في غير ما خصصت له. أي إعادة إنتاج مغاير للمعنى القاموسي للغة، وهذا مركز النقد اليوم، ثم جاء النقد الثقافي الذي يتخذ من مفردة واحدة أو أكثر انطلاقًا للرجوع إلى ما تنبشه المفردة من دلالات ثقاقية استرجاعية، البلاغة أساس النقد في كل لغات العالم وهي الدرجة الثانية بعد قوة التوظيف اللغوي.

ميار برجاوي: أديبة وإعلامية، لبنان.

-لك بحث عنوانه: “الطاقة في التحليل الإبداعي (نحو نظرية جديدة) وأيضا كتاب “الطاقة في تحليل الابداع” ومحوره هذه النظرية. بداية على ماذا تستند هذه النظرية في طاقتها وما المبتغى منها في مطلق إبداع؟

١. واليوم حين نتحدث عن نظرية جديدة ماذا تكون المسوّغات أو المؤشرات التي تنذر بالحاجة إليها وهل يعني ذلك إطاحتها بنظريات سابقة باتت تقيّد الإبداع؟

٢-حضرتك صاحب فكرة إنشاء قسم اللغة العربية والإعلام في كلية الآداب في جامعة الأزهر بغزة، أستثمر هذه النقطة في سؤالك عن اللغة الأدبية واللغة الإعلامية، فهل فعلًا ثمة فرق بينهما أم اللغة هي اللغة ولا وجود لهكذا تقسيمات وإنما مثلًا لغة أدبية بنفس إعلامي والعكس يصحّ؟

٣-في بحث لك عن الأدب الرقمي في فلسطين ذكرت: “تمتاز لغة الأدب الرقمي بأنها مدهشة مكتنزة، لها جاذبية صادمة” أتوقّف عند تعبير جاذبية صادمة. ما هو معيار وجود وتحقّق هذه الجاذبية.

الدكتور البوجي:

١. كتابي الطاقة والتحليل الإبداعي، يمكن لنا الاستفادة من علم النفس في النقد الأدبي، عندما يكتب الإنسان مقالة أو قصيدة إلا تتملكه طاقة الإبداع أثناء الكتابة، هي هذه النقطة التي ارتكز عليها كيف فرغ الشاعر طاقته اللغوية، هل مفردات الجملة الواحدة تحمل مفرداتها نفس الطاقة، أم أن كلمة واحدة تحمل الطاقة الأكبر ثم كلمة أقل ثم أقل، هنا تأتي نظريتي، أي تحليل توزيع طاقة اللغة على مفردات الجملة الشعرية أو الأدبية عمومًا والتشكيلية.
مفردات العمل الإبداعي تتوزع بينها الطاقة، لكن ليست بالتساوي. الكتاب موجود بالقاهرة “مكتبة مدبولي”.

٢ . هناك فرق بين اللغة الإعلامية واللغة الادبية طبعًا: الإعلامية مباشرة تمامًا، عندما يكتب الصحفي عن حادثة يكتب بلغة مباشرة جدًا، لكن عندما يعيد القاص نفس الحادثة عبر قصة قصيرة فإنه يستخدم لغة أدبية ويعيد تفسير الحادثة وأبعادها ويرمز الى مثالب المجتمع بلغة أدبية.

٣ . جاذبية اللغة الصادمة في الكتابة الرقمية، ومن هنا نشأت ما يسمى الومضة والهايكو، وهي عدة كلمات محدودة لها دلالات واسعة .

عصمت حسان، شاعر من لبنان.
كل التحية والتقدير للدكتور محمد البوجي وأسألك:

١- معظم النظريات النقدية المعمول بها في عالم العرب مستوردة من الخارج، ما الذي منع ويمنع من نشوء نظريات عربية نقدية؟

٢- من خلال متابعاتك للنتاج الشعري العربي المعاصر، كيف تقيم المشهد، وهل هناك تجارب تؤسس لأسماء كبيرة فلسطينيا وعربيا تملأ الفراغ الذي تركه رحيل الكبار؟

الأستاذ عصمت حسان، ثلاثة أسئلة مدمجة في سؤال، أشكرك.

١. حول نشوء نظرية نقدية عربية، تكلمنا كثيرًا في الموضوع، يبدو أننا تعودنا الاعتماد على إنتاج “الخواجات”، نطبل ونزمر ونترجم عندما يكتب واحد أوربي نظرية نقدية، لكن عندما يكتب عربي في ذلك فلا نلتفت إليه، لأنها بضاعتنا التي لا تثق بها كثيرًا، نحن لو أعدنا قراءة عبد القاهر الحرجاني قد نستخرج منه أكثر من نظرية نقدية، توجد محاولات لبعض المفكرين العرب نحو صناعة نظرية، لكن التفاعل معها ضعيف جدًا، النظريات النقدية هي عالمية قبل أن تكون عربية فلا يكتب لها النجاح إلا إذا صارت إلى الثقافات الأخرى.

٢. تقييم المشهد الشعري العربي المعاصر، قلت في بعض ندواتي أن هذا الجيل هو عالة على جيل الستينيات، الذي كان الإبداع فيه في أرقى تجلياته من تمرد على الشعر والرواية والقصة والمسرح، الإنتاج الأدبي اليوم هو تكرار لما سبق، أحزن كثيرًا عندما أسمع أن أحد الشعراء لا زال يناقش شكل القصيدة من تفعيلة أو النثرية يهاجمون بعضهم، بل ويكفرون بعضهم على أن شكل القصيدة مقدس، من قال هذا، ليس هناك مقدس في الإبداع كله قابل للتمرد، ومع ذلك هناك أسماء شعرية كبيرة في الوطن العربي تحاول التغيير في المقدس الإبداعي.

حنان فرفور، شاعرة من لبنان.
أهلا وسهلا بك دكتور

  • بداية، بعد القارئ العربي اليوم عن الشعر والنقد والأدب الجاد له أسبابه العديدة، برأيك هل لأهل هذه العلوم اليد الطولى في ذلك؟ ألا ترى معي أن انحياز النقاد للمدارس الكلاسيكية والنقد المعلب والتقوقع خلف الأيديولوجيا أسباب مهمة في فقدان مصداقية وجاذبية النقد اليوم؟ الشاعرة الكبيرة ابنة صور اللبنانية الحبيبة المشرفة على حدود فلسطين وبحرها، سؤالك الأول عن سبب ابتعاد القارىء العربي عن متابعة قراءة الشعر الجاد، أقول: الصراع بين وسائل الإعلام هو السبب، المتلقي اليوم يضغط بإصبعه فيسمع الشاعرة حنان فرفور ويستمتع بإلقاء شعرها، ثم يغلق الهاتف ويفتح التلفزة لمشاهدة جزء من مسرحية ثم يضغط بإصبعه وهو مستلق على فراشه على جهاز الحاسوب ليشاهد ويستمع إلى أجمل الاغاني.
    سيدتي تكنولوجيا اليوم أبعدت المتلقي عن الكتاب، ثانيًا: ضعف الحالة الاقتصادية للمواطن العربي في العشرين سنة الأخيرة، هو فعلًا غير قادر على شراء دفتر مدرسي لابنه، كيف سيشتري كتاب، ديوان شعر، وهو يستطيع سماع أكبر الشعراء على هاتفه، إذن نحن أمام جيل رقمي، المنشورات الرقمية هي الأكثر تداولًا بين الناس، لاحظي أنت، كم واحد اشترى ديوان شعر لك، بالمقابل كم مستمع أو مشاهد لشريط فيديو، خيط المرجيحة، هنا ندرك عصرنة التلقي.

أما حول أداء النقاد، سيدتي النقد أنواع. منه الأكاديمي الذي يتعامل مع نصوص الكبار القدماء بطريقة كلاسيكية قد يتبع منهحًا قديمًا أو جديدًا، المهم انه نقد متقوقع بين جدران الجامعات، النوع الثاني وهو النقد الصحفي، هنا تكون المجاملات على حساب جماليات النص، الصحفي يكتب حول النص مادحًا او مهاجمًا دون أن يسبر أغوار جماليات النص، وهذا الشائع اليوم.

وأصيب أيضًا: النقد التخصصي السريع، هذا يكون عبر منصات التواصل الاجتماعي أي النقد الرقمي، وفيه نوع من المجاملة لكنه أحيانًا يغوص في أطراف النص لغة وجماليات مفردات النص، ولنا معك تجربة في هذا قبل عام ونصف تقريبًا، كان الأداء مرضي عنه نوعا ما.

الشاعرة سارة خير بيك، سورية.

  • أيهما أهم النص الإبداعي أم الناقد المبدع؟
    الشاعرة الكببرة سارة خير البيك من سورية الحبيبة حول أيهما أعلى مرتبة، الأيب أم الناقد.
    سؤال صعب الإجابة عليه، قد يكون الأديب وقد يكون الناقد؛ كلٌّ حسب موقعه في حركة الثقافة وديمومتها عبر الزمن. مثلًا المتنبي أكثر شخصية تُحافظ على حضورها في كل الأوقات؛ بينما نقَّاد المتنبي يتم ذكرهم أقل. لكن عبد القاهر الجرجاني البلاغي الناقد، حضوره دائم في معظم المجالس العلمية الرصينة. صعب جدًا القول الفصل في هذا. مثلًا كتاب أدونيس النقدي “الثابت والمتحول” سيبقى ثابتًا عبر الزمن، لكن شعره لا ضمان له. الشاعرة اللبنانية يسرا بيطار
  • قيل في سياق الحديث عن النقد: أنت لا تستطيع أن تعرف نبيذًا جيدًا بتحليله تحليلًا كيميائيًا بل عليك أن تتذوقه! فما قولك دكتور أبو بكر البوجي؟ الشاعرة من لبنان الحبيب، يسرا بيطار. سؤالك عن تذوق طعم الكتابة، أتكلم عن نفسي ونيابة عن معظم الذين أعرفهم من كُتَّاب فلسطين: إن الكتابة لدينا ليست ترفًا أو رفاهية، إنها خندق مقاوم. نحن نتحدى الرواية الصهيونية حول فلسطين، ونثبت للعالم أننا أصحاب قضية وحقنا لا نحيد عنه، نكتب لثوثيق تجربة شعبنا قبل النكبة. له أدب شعبي يتغنى به في أفراحه ومواسم الحصاد ولدى صيَّاد البحر. استطعتُ تجميع الكثير من الأدب الشعبي وعادات وتقاليد شعبية، كان شعبنا يمارسها مثل باقي شعوب العالم في وطنه. ثم كتبتُ التجربة الأدبية في فلسطين، التجربة الفلسطينية تجربة نادرة جدًا، ليس لها مثيل عبر التاريخ. أن يُطرد شعب ويُجاء بشعب آخر من شتات الارض. الأديب الفلسطيني كتب وهو في الزنزانة والمعتقل، وهو في خيمة التشرد، وهو في المنافي، كتب من تحت جنازير الدبابة، وتحت أزيز الرصاص وفي الحصار؛ فأنتج أدبًا يوثق المرحلة ويعبر عنها إنسانيًا ووطنيًا، أنتج شعراء كبار وروائيين كبار. استطعتُ تجميع هذه التجارب في موسوعة من ثمانية أجزاء، طُبعت في غزة. كانت رسالة إلى المجتمع العربي أن استفيدوا من التجربة الفلسطينية في التعامل مع العدو بالكلمة إلى جوار البندقية.

أستاذة يسرا.. شخصيًا، العمل الأدبي الذي لا يطرح قضايا مهمة في المجتمع العربي لا أتعامل معه، الكلمة رصاصة ساخنة، أو غزلًا ذاتيًا لا قيمة له، قد أتذوقه لكن لا أتعامل معه نقديًا. نعم.. الغزل حالة إنسانية نعترف به لكن ينبغي أن يكوِّنَ جزءًا من حالة المجتمع.

اللقاء بالدكتور البوجي كان رائعًا، انتهينا الليلة، وسيبقى اللقاء مفتوحًا بانتظار المزيد من الأسئلة ليوم غد.. كل التقدير صديقي المبدع، أضفت الكثير من البياض لحبرنا، والشكر لكل الذين تشاركوا معنا المتعة والفائدة.

قد يعجبك ايضا

المزيد من المقالات المشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Fill out this field
Fill out this field
الرجاء إدخال عنوان بريد إلكتروني صالح.
You need to agree with the terms to proceed

القائمة