ثقافة

د. عبد الرحيم الهبيل يكتب: من رواية جرح السوسن إلى مأزق أردوغان

من رواية جرح السوسن إلى مأزق أردوغان

د. عبد الرحيم محمد الهبيل/ ناقد وأكاديمي

قد يخيل للمتلقي أننا ننتقل بهذا العنوان من رواية إلى أخرى ، ولكن حقيقية الأمر أن (مأزق أردوغان) أحد أجزاء رواية جرح السوسن ،[1]  فكيف جاء الكاتب بأردوغان المعاصر في رواية تحكي كثيرا من الأحداث التي سبقت النكبة 1948م؟ ربما أراد الكاتب أن يقرن الأحداث المعاصرة بالأحداث التاريخية، أو لأنه وجد حيرة تركيا بين الشرق والغرب قديمة حديثة [2]، فهل يحق للكاتب أن يداخل بين العصور والأزمنة ؟ وهل اتخذ الكاتب من هذه الطريقة سبيلا في جميع أجزاء روايته ؟ وهل هذا العمل يجعل منه ساردا عليما؟ يبدو أن الكاتب قد اكتفى في هذا الجزء أن يسقط جزءا من هذا العصر على روايته التاريخية التي قدم فيها عملا شائقا يغري بالقراءة والتأويل.

لقد حرص الكاتب على تتبع العادات والتقاليد الاجتماعية الفلسطينية  التي كانت سائدة في بلاد الشام وتركيا لعلاقات سياسية ونظامية، فرسم أبعاد النسق الذكوري الذي كان سائدا بفعل التاريخ،  وطبيعة العيش الفلسطيني الزراعي الذي يحتاج إلى كثير من الزوجات والأبناء على نحو يطغى على صوت المرأة واختياراتها ، وعلى الرغم من إحساس المرأة بالقهر، فإنها لم تفكر في مواجهة واقعها، بل عملت على تكريس هذا الواقع لابنها وأخيها، من أجل الحفاظ على الأرض، وذكورية العائلة حتى ولو كان الرجل فقيرا ، كما يبدو أن ظروف الحياة وما ورثته المرأة العربية من تخمر لفكرة الجوراي وطبيعة الموت المفاجئ، لكثرة الأمراض في ذاك العصر جعلتها تتعاون مع الرجل من أجل مواجهة الفناء و الحروب.

إن الحديث عن النسق الذكوري لا يمكن أن يكون محورا أحاديا في نقد الرواية لأنه لا يقوى على الثبات أمام بعض مواقف النساء فتلك تستميت في انقاد أخيها، وخديجة تواصل الرحيل مع زوجها ليس لتقوم بخدمته، لان السفر يقتضي منه أن يخدمها ويحميها ،[3] والأهم من كل ذلك ، هل يقوى النسق الذكوري على الثبات أمام تغلغل فكرة الدفاع عن الشرف إذ قد يقتل أكثر من رجل من أجل امرأة،  أو من أجل الدفاع عن سمعتها.

لا شك في أن الكاتب كان يضمر بعض الأفكار في أثناء الكتابة،  ولكن ليس من أجل سلب قيمة اجتماعية أو رفضها ، بل حرص منه على سرد الأحداث على نحو صريح ليجلي الوقائع التاريخية باللغة الأدبية والصناعة الروائية.

وعلى الرغم من حرص الكاتب على بلدة عسقلان مكانا لأحداث الرواية، فإنه لم يعن  بالمكان كثيرا لاتساعه ، فالشخصيات تتنقل في أمكنة كثيرة فتصل إلى الأستانة لنصرة السلطان عبد الحميد ثم تعود لعسقلان مسرعة خوفا من أعداء السلطان،[4] وفي الطريق يثير الكاتب عبر الحوار موضوعات كثيرة تدخل في باب المخاوف ، ولذلك لا يجد الكاتب ضدا لهذه المخاوف إلا في ثلاث ممارسات ، وهي : عمليات فردية ضد المستوطنين، والتنقل الجماعي في أرجاء الشام. وإظهار كرم الضيافة.

لقد طغى الخوف على مشهد السفر والترحال لكثرة عبث الغرباء وغياب الجيش التركي من الساحات لشدة الصراع في الأستانة، وشيوع الفقر بين الناس من كثرة الضرائب. هذا الخوف وتلك الهواجس التي تتردد في النفوس جعلت الكاتب يعتمد في السرد على حاستي السمع واللمس ، أما حاسة البصر فقد أهملها على المستوى الجمالي ، فلا نجد من الألوان في روايته إلا الأصفر والأخضر والأسود،[5] للدلالة على المرض والرتابة وسوء الأوضاع التي كانت تمر بها البلاد ، فالكاتب لا يلتفت إلى وصف الطبيعة إلا في المواضع التي يشعر بها بالفرح والنشوة” نشوة النصر تكشف أرواح الأشياء الجامدة “.[6] فهل أهمل الكاتب جماليات البحر و بهجة السماء ونجومها ليخبرنا بقسوة الأحداث، وثقل الأرض في الوعي الفلسطيني الذي كان يستشعر بخطر ضياعها ؟ وهل كان إحساس المرأة بعشق الأرض دافعا لترك الأحذية ؟ أم أنه إشارة للفقر؟ قد تتعدد الأسباب ولكن لن يخطر بالبال أن ذلك كان تلبية لشهوة الرجل في إظهار أنوثة المرأة.

وفي بناء الرواية نجد الميجنا التي تصور لحظات من الحوار والسمر وتظهر أخلاق المحاورين واهتماماتهم ، فهي ليست محفوظات عامة ، أو شعبية شائعة ، وإنما طريقة في الحوار ، يسأل كل منهم عما يقول ، ولذلك دفع سليمان ثمنا باهظا لتعرضه لبعض الفتيات ،[7] وهنا نعود مرة أخرى إلى مدى صحة النسق الذكوري  في الرواية ، حيث إنه لا يسيطر على مكوناتها  لفاعلية تعاون المرأة مع الرجل وهيمنة فكرة الشرف[8].

وفي النهاية هناك أشكال فنية وجوانب لغوية  لا بد منها ومن أهمها العنوان فالقضايا التي يطرحها الكاتب أو الحقبة الزمنية تحتاج إلى لفظة أقوى من الجرح لما أصاب فلسطين  ولكن لأن الدولة العثمانية حتى ذلك الحين مازالت قائمة والمأساة لم تقع في فلسطين فيمكن أن يكون العنوان مقبولا ، أما العناوين الداخلية فهي تحتاج إلى مراجعة لتكون متناسبة مع مضامينها.

أما الجوانب اللغوية فمن الواضح أنها جاءت على نحو فصيح، ولكن هناك بعض الأخطاء الشائعة التي تخترق القول مهما يكن الحذر  منها، كقوله:  (رغم …..إلا)[9] ، وكقوله:(يكاد أن)[10]، أما ألفاظ الرواية فهي متناسبة مع موضوعاتها، ولكن هناك بعض الألفاظ الغريبة، كقوله: (عنين الجمال )، التي أظن أنها (أنين الجمال)[11].

وأخيرا شكرا للكاتب محمد الشيخ علي على ما قدمه لنا من مشاهد تصويرية، وأحاسيس صادقة، ولغة مؤثرة ، وحبكة فنية،  لموضوعات تداعب الذاكرة الفلسطينية لتجعل من المأساة تجربة نضالية، ومشاركات اجتماعية، وبطولات تتسع بانسياب التاريخ.

[1] محمد الشيخ علي ، جرح السوسن ، دار الكلمة ، الطبعة الأولى ، 2023.

[2] الرواية ، ص224

[3] الرواية 223

[4] الرواية، 225

[5] الرواية، 232،236

[6] الرواية : ص222

[7] الرواية ، 235

[8] الرواية، 234

[9] الرواية، 234

[10] الرواية، 222

[11] الرواية، 221

زر الذهاب إلى الأعلى