لا توجد تعليقات

رئيس التحرير يكتب: قراءة المضمر وقتل الناقد الكبير

قراءة المضمر وقتل الناقد الكبير

بقلم: جواد العقّاد/ رئيس التحرير 

أتقدم إلى قراءة النص الأدبي حين يُحدث استفزازاً نفسيّاً وعاطفيّاً وجماليّاً، وأبدأ بالتفاعل الواعي مع النص بعدما أحقق رغبتي البدائية–إن صح التعبير- متأثراً بالعلاقات اللُغوية الجديدة التي ينتجها النص، أو بالقدرة الفذَّة على الوصف ورسم المشهد بالكلمات. في القراءة الأولى أكون مستسلماً تماماً أمام فتنة الأدب ودهشته، المفروض توافرهما في أي نص جيد؛ فالمهمة الأولى للأدب هي المتعة والإشباع الجمالي، والنص الذي لا يُوهم أنه سماويٌّ مقدس فيه ريب، فإنَّ لغة الأدب لها نكهة القداسة، لغة طازجة يقلِّبها الأديب على نار العاطفة، ويعمِّدها في محبرة الخُلود إلى أن يكتمل خلقها.

الجمال وقار وقداسة، قد يُضمر أنساقاً ثقافية تُرسِّخ أفكاراً غير مقبولة دون عباءة الأدب المرصّعة بالدهشة والذهول، إلا أنها تتخذ منه جسراً للعبور إلى اللاوعي، فيؤكد الأدب تلك الأفكار التي غالباً لا تكون من خَلقه، وقد تصبح مع كثرة التكرار جزءاً من بنيته، نتلقاها ونؤمن بها. وقد أصابنا الشكل الأدبي بالعمى، فمثلاً حين يفخر شاعر عربي بالقبيلة متعصباً لها، يقول:

مَـلأْنَا البَـرَّ حَتَّى ضَاقَ عَنَّـا وَظَهرَ البَحْـرِ نَمْلَـؤُهُ سَفِيْنَـا

إِذَا بَلَـغَ الفِطَـامَ لَنَا صَبِـيٌّ تَخِـرُّ لَهُ الجَبَـابِرُ سَاجِديْنَـا.

(معلقة عمرو بن كلثوم)

حفظ لنا التاريخ هذه الأبيات لما لها من قيمة جمالية وبلاغية، ولعلها تُدرَّس في المؤسسات التعليمية أمثلةً على بعض مباحث البلاغة، ولكن لماذا لا تُدرَّس أمثلةً على تشريح خطاب التعصُّب ورفضه؟!

أتعامل مع النص الأدبي على أنه أرض خصبة لمحراث التأويل، وبعد أن أتمتَّع بالجنان وأقول: الله الله، أحفر عميقاً باحثاً عن الجواهر الثمينة والدلالات غير المنتهية في البنية العميقة للنص، وأنا واثق أن النص الأدبي الحقيقي يتضمن دلالات غير منتهية وبحيرات جمال لا تنضب، فالوصول إلى دلالة نهائية وهم. وأؤمن بأن القراءة/ التلقي عملية إبداعية قد تُنتج نصّاً موازياً للنص الإبداعي، نصّاً إبداعياً متأثراً بالنص الأصلي بشكل مباشر أو غير مباشر، والثاني أكثر إبداعاً ورسوخاً. أو نصّاً نقديّاً، فالنقد إبداع على إبداع كما يُقال، ومن هُنا فلا بدَّ من إسقاط مقولات النقد الجاهزة، وتخطِّي المناهج النقدية بعد استيعابها والاستفادة منها، والأهم من ذلك إسقاط مقولات نحو “الناقد الكبير، والعظيم، العلاَّمة الفذ، إلخ”؛ لأنها تُرسِّخ السلطة الأبوية في التعامل مع المنتج الأدبي، فلا نستطيع تجاوز مقولات هذا الناقد أو ذاك، وهو في الحقيقة ليس ناقداً كبيراً ولا يحزنون، وإنما أعمَلَ عقله في فهم النصوص الإبداعية وقعَّدَ ونظَّرَ لجمالياتها، فجعل من دراسة الجمال مؤسسة واحتكرَ قيادتها. وهذه ليست دعوة للتمرد على”النقَّاد الكبار” بقدر ما هي دعوة للتجديد في الفهم النقدي للإبداع، حتى يستطيع النقد مجاراة الإبداع مع الاستفادة من تلك المقولات والبناء عليها أو هدمها إن لزم الأمر. والناقد/ المتلقي الذي يُلقى على عاتقه كسر هيبة “النقَّاد الكبار” يجب أن يمتلك القدرة على نقد نقدهم ونقضه كلما لزم الأمر وطرح البديل الجاد، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذا البديل غير نهائي.

لا أقرأ نصاً أدبياً قراءةً معمّقة إلا إذا نشأ تفاعل إيجابي قائم على الرغبة في البحث وراء أسرار الجمال ومكامنه، وأحياناً تكون البنية الثقافية في النص جزءاً من جماله؛ لأن فضاء النص يصطدم توقعات القارئ بأشياء لم يكن يتوقعها قبل القراءة أو في القراءة السطحية/ الأولية، وهذا ما حصل معي تماماً حين قرأت رواية “رقصة الفيلسوف” للروائي أنور الخطيب. وقد ينشأ تفاعل سلبي بيني وبين محتوى النص فيكون مادة ثرية للنقاش والجدل، أما النصوص التي لا يعجبني شكلها الجمالي فلا أقترب منها. وإن الكتابة في التحليل الأدبي تشبه إلى حدٍّ كبير الكتابة الإبداعية، فهي تحتاج وقتاً من الاستغراق في التأمل والتجلي الجمالي في أروقة النص، فالقراءة والتحليل على عجل يظلم النص ويُغيّب جوانبَ جمالية وأنساقاً ثقافية قيِّمة.

وأؤمن أن الأديب الحق صاحب همٍّ فكري- بغضِّ النظر عن ماهيته- إلى جانب همِّه الجمالي. بعبارة أخرى: الأديب يتبنى قضية ويُدافع عنها، بشرط ألا يُلزم بها. أي تكون الكتابة نابعة من إيمان عميق بالقضية مما يُحقق الصدق العاطفي الذي أَعُدّه أهم شروط الإبداع، فمثلاً: شعراء الأرض المحتلة أخلصوا للثورة ضد المحتل، وشعراء المنفى أخلصوا للحنين حتى أصبح أبجدية نصوصهم، والشاعر أدونيس ضمَّن شعره همَّه الفكري المتمثل في جدلية الحداثة والتراث. وهذا يُسهم في تحويل النص من إبداع فردي إلى رؤية جماعية.

ختاماً: لا بدَّ من تجاوز جمال الأدب الخدَّاع أحياناً، وقراءة الأنساق المضمرة، وعدم التسليم بمقولات “كبار النقَّاد” بل عدم الاعتراف بمقولة “كبار النقَّاد” لما فيها من سطوة على مسيرة الإبداع واحتكار للجمال، فإنَّ المتلقي الواعي يُنتج إبداعاً موازياً يُضاف إلى فضاء النص متسلحاً بالمعرفة والمهارات اللازمة للغوص في أعماق النص، ولا يؤمن بالدلالة النهائية للنص مطلقاً.

قد يعجبك ايضا

المزيد من المقالات المشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Fill out this field
Fill out this field
الرجاء إدخال عنوان بريد إلكتروني صالح.
You need to agree with the terms to proceed

القائمة