لا توجد تعليقات

سؤال الهوية في رواية مشانق العتمة: شفيق التلولي

سؤال الهوية في رواية مشانق العتمة: قراءة انطباعية

بقلم: شفيق التلولي/ روائي فلسطيني

حاول الكاتب يسري الغول، وهو صاحب تجربة أدبية غنية على مستوى القصة والرواية، أن يطرح سؤال الهوية من خلال رواية مشانق العتمة الصادرة مؤخراً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، وجاءت في 220 صفحة من القطع المتوسط، وتحديداً في خمس وثلاثين لوحة مشهدية، كل لوحة تحمل اسم شخصية تتجسد بلسانها نصيًّا، وتتناوب الحكي الذي يتقدم عبر خمسة رواة، هم: هاجر، سراب، ابن رشد، يونس وهتلر.
عمد المؤلف إلى البحث عن جدلية علاقة الهوية بالذات المتشظية في زمن التيه والانقسامات والحروب الداخلية والخارجية التي عصفت بالعالم العربي وظهور أزمة الدولة الوطنية التي أنتجها “الربيع العربي” ومخرجاته التي أثرت على الأمة وغيرت مساراتها وأنساقها واتجاهاتها وأفكارها، بالإضافة إلى نيلها من ثقافته العربية بكل مكوناتها؛ فجعلتها ترتد عن الاهتمام بهويتها تبحث عن قشة في عرض البحر تنقذها من الغرق في آتون الصراع الدائر الذي أضحى يتهدد حياة المواطن العربي، الأمر الذي دفعه للهجرة غير الشرعية، وقد ظهر ذلك بجلاء منذ افتتاح النص الروائي: “معلقون على مشانق العتمة، نسبح في دوامة التيه، ملابسنا ثقيلة وأرواحنا كذلك. نجلس متراصين بانتظار صعود القارب، والناس تتكدس عند الشاطئ في تسليم كامل لأصوات التجار/ قباطنة الهجرة المتناثرين في المكان” (صفحة 9)، مما أسس انطباعًا في ذهن المتلقي مبكرًا أن الثيمة الأساسية للرواية هي الهجرة القسرية للذات التائهة لتداعيات الواقع العربي وعبثيته.
وصف المؤلف المهاجرين بأنهم معلقون في مشانقهم في انتظار مصيرهم المحكوم بيد تجار الهجرة. وهنا تجلى سؤال الهوية الذي أطل برأسه منذ بداية الرواية ليعلنها أن الهجرة هي الموت الحقيقي في خطوة استباقية صادمة للمتلقي قبل أن يعرف تفاصيل الحكاية، حتى وإن برَّر بعض شخصيات الرواية الهجرة كما جاء على لسان “هاجر” عندما قالت: “نردد بداخلنا كمواساة لا إرادية: ذاهبون إلى الجنة بدلا من جحيم الوطن” (صفحة 11) وكما جاء كذلك على لسان إحدى الشخصيات الطارئة على متن النص: “كل مخاطر البحر صفر كبير أمام مخاطر اجتياز أي حاجز أو كمين في مدينتنا” (صفحة 11).
أخذ يسري الغول كلا من مدينة غزة الفلسطينية وحلب السورية مكانين تدوران فيهما أحداث السرد الروائي، إضافة للمملكة كنموذج لدولة عربية أظهر من خلالها معاناة المواطن الفلسطيني خلال رحلة غربته وعدم تمتعه بالمواطنة التي تضمن له الاستقرار المعيشي، حيث يتم فرض شروط صارمة وقيود ملزمة على الإقامة فيها، كما جاء على لسان يونس: “وكأي طفل لا يعرف معنى الهوية، كنت أقول (فلسطيني) ظنًا أنها مدينة داخل المملكة” (صفحة 28) لتتفتق لدية أزمة الهوية في وطن غير وطنه وتتعمق بداخله عندما تم رفض إلحاقه هناك بالجامعة فقرر والده إعادته لغزة، “هذا هو قدر الفلسطيني يا يونس، يجب أن يدفع الثمن لهذه الحياة النجسة” (صفحة 30) ولم يغفل معاناة الفلسطيني على الحدود والمعابر وبخاصة معبر رفح كما جاء بلسان السارد يونس/ أحد سراد الرواية عندما عاد لغزة والمعاناة التي تكبدها، وكذلك عندما أراد العودة من غزة للخارج حتى ضاق ذرعًا خلال حياته بغزة ومحاولة عودته للمملكة التي خضع فيها للتحقيق واتهامه بالتعامل مع جماعات إرهابية، ليقرر بشأن ذلك أنه: “سأهاجر وأترك بلاد العرب والمسلمين” (صفحة 67) كذلك قال خلال رحلة عودته من غزة إلى القاهرة: “معاناة لا يمكن وصفها، قهر لهويتي العربية المأزومة” (صفحة 117).
تضعنا الرواية منذ مفتتحها في قلب المأساة، حيث شخصيات الرواية يجتمعون داخل قارب الموت الذي ظنوا أنه قارب النجاة، لينثال السرد بلسان كل منهم عبر لوحات منفصلة ومتصلة في ذات الوقت حيث يجمعها خيط الحكاية وثيمة الرواية التي تدور أحداثها حول هجرة العرب إلى أوروبا للبحث عن حياة المواطنة الكريمة، وما يعانونه خلال رحلة الهجرة المحفوفة بالمخاطر مستعرضًا، دوافعهم للهجرة وأسباب ركوبهم البحر حتى وإن تاجر بهم قباطنة الهجرة وقراصنة الموت.
وفي استعراضه لأسباب الهجرة يسترجع حياة السراد الخاصة عبر تقنيتي (الفلاش باك) الاسترجاع والاستباق حيث يفتتح السرد بلسان هاجر الفلسطينية ثم يختتمه أيضا بصوتها في النهاية أو “ما بعد النهايات” (صفحة 219) ليدلل بذلك أن الفلسطيني محور المعاناة كما هو محور الحكاية، لكنه أيضاً وعلى الفور يربطها بسراب السورية في ثنائية تحاكي الواقعين الفلسطيني والسوري لارتباط سورية بفلسطين، السرد الذي انطلق على متن المركب المطاطي في عرض البحر بين الحدود التركية واليونانية بعد مشقة الوصول إلي تركيا، مروراً بمعابر وحدود وعواصم وموانئ ومطارات كما جرى مع شخصيتي الرواية يونس وزوجته هاجر خلال رحلة هجرتهما القسرية وتنقلهم بين غزة ومصر وروسيا، وكذلك ما تعرض له ابن رشد الزوج الأول لهاجر خلال سفره لمصر للعلاج قبل وفاته.
ظهرت في النص الروائي عدة ثنائيات ضدية ارتكزت عليها الدلالة: القمع/الحرية، الوطن/المنفى، الانقسام/ الوحدة، الاعتدال/ التطرف، العدل/ الظلم، الموت/ الحياة، الهجرة/البقاء، كلها ثنائيات تبلور رؤية الكاتب للعالم كما يطمح، لكنه يصطدم بقتامة الواقع وكابوسيته، ويبقى سؤال الهوية مثارًا حتى نهاية النص، فعلى الرغم من موت معظم شخصيات الرواية الذين ينشدون الحياة في عرض البحر، إلا أن بارقة الأمل نفذت لعالم الرواية بنجاة هاجر التي عاشت في بروكسل ومارست الحياة بعيداً عن القمع وافتتحت أول معرض فني لها بعنوان: “ملابس تنجو بأعجوبة”، ويبقى السؤال معلقًا في ذهن المتلقي: هل تتأزم هاجر بالخارج وتعيش أزمة هوية بالبعد عن الوطن بشكل أو بآخر؟! أم أنها تخلصت من هاجس تشرذم ذاتها، ووجدت ذاتها بالخارج؟!
أما عن سيميائية الشخصيات فقد تجلت من خلال أسماء الشخصيات الذين تناوبوا السرد؛ هاجر الفلسطينية، إحدى الشخصيات الرئيسية التي عاشت الهجرة ومثلتها في رحلتها بين زوجيها ابن رشد الذي توفاه الله بعد معاناة الأسر ومن ثم الحصار والمرض وكذلك مطاردة الاحتلال الإسرائيلي له، ويونس الذي تزوجها وخاضت معه رحلة الهجرة، وهي تستدعي أيضا هاجر زوجة سيدنا إبراهيم التي عاشت شطراً من حياتها في الشتات.
أما سراب السورية التي أحبت يزيد، تكتشف بعد زواجها أنه هتلر الذي يمارس الظلم والبطش بالسجناء السوريين، فيتبدد وهم الحب وفارس الأحلام الذي كانت تنشده، وإذ به سراب ولعنة لاحقتها حتى هجرتها، ومقتلها وابنها جهاد على يده دون أن يعرفهما يزيد/ هتلر إلا بعد اكتشاف جثتيهما على سطح الماء، وذلك بعد أن أطلق النار على القبطان خلال مطارته للنيل من هاجر التي رفضت تحرشه بها، وبدور هتلر السادي الدموي الذي طالما علق السجناء وقتلهم واغتصب السجينات يتمثل بهتلر الشخصية الألمانية النازية والدموية.
أما يونس في النص يستدعي شخصية النبي يونس ولكن المفارقة هنا أن الله وهب النبي يونس حياة جديدة بعد أن لفظه الحوت، أما شخصية يونس في النص فقد مات غرقاً، الأمر الذي أضفى سوداوية على النص وزاده كآبة وقتامة وكابوسية، لتكون دلالة الاسم سيميائياً دلالة معكوسة، فالموت هو الغالب على النص، ولا يبقى سوى الهجرة، وهذا قدر الفلسطيني أينما حل وحيثما كان، بالرغم مما أوحيَ لأمه عنه يوم ميلاده كما جاء في النص: “سيكون ابن اليم سفينتكم لتعبروا به الحياة” (صفحة 27)
شخصية ابن رشد التي مثلها حذيفة، فقد أسموه بذلك الاسم نظراً لحكمته واطلاعه على شتى العلوم وكذلك آرائه المعتدلة والتحررية التي لا تتناسب مع أفكار الجهة التي ينتمي إليها مما أدت إلى ما آلت إليه أحداث السرد، ثم وفاته التي كشف عن ملابساتها لزوجته هاجر في المنام، إذاً تستدعي تلك الشخصية ابن رشد الفيلسوف صاحب الأفكار التنويرية، وبذلك يكون الكاتب قد ساق من خلال تسميته للشخصيات دلالات وظفها توظيفاً محكماً عبر عنها من خلال سماتها وصفاتها وسجاياها وخصالها وجسدها في سياق النص.
وضع الكاتب يسري الغول عتبتين للنص، عتبة سبقت السرد حيث يقول: “ليس هناك من أهمية للترتيب الزمني داخل هذه الرواية، فالأحداث تتشابه أو تتكرر بصورة أو أخرى، كذلك لا مجال لاستنطاق شخوص الرواية بالمزيد، فهُم لا يحبون الثرثرة” (صفحة 7) ليعفي نفسه من سؤال البناء والتقنيات واستخدام الأصوات والضمائر التي ظهرت تباعاً، مرارا وتكرارا، استباقا واسترجاعا، فتارة يتقدم زمن الخطاب الروائي وتارة أخرى يتأخر، فيما دللت لنا أحداث الرواية على زمنها الذي هو ذات الزمن الخطابي المنطلق من أحداث الانقسام الفلسطيني وما خلفه من نتائج مأساوية، مروراً بالحروب على غزة وما أفرزه الربيع العربي في سورية، أي منذ عام 2007 وحتى انتهاء السرد الذي انتهى بالعتبة الثانية التي جاءت بعنوان: “ما بعد النهايات” بلسان هاجر حيث تقول: “صبيحة أحد أيام الثلاثاء، وتحديدا بعد عام ونصف من غرق القارب، وصلت رسالة إلى مقر وزارة الخارجية اليونانية، تشكر فيها سيدة عربية خفر السواحل لدورهم العظيم بإنقاذها من براثن الموت بعد أن كادت تضيع بين جثث الغرقى، ثم ساهموا معها –لاحقا- بإحضار جميع متعلقات زوجها وطفلها وصديقتها الحلبية على متن رحلة العذاب، لتخرج إلى العالم بأول معرض فني لها في بروكسل، بعنوان: ملابس تنجو من الموت” (صفحة 219) لينتهي بذلك النص بعد موت المهاجرين على متن القارب، يونس زوج هاجر وابنه مريد وسراب وابنها جهاد، والذين غرقوا بقتل قبطان القارب على يد هتلر أو يزيد، زوج سراب وضابط الأمن السوري الذي لم تسلم منه زوجته، من اعتقال وسادية الأمر الذي دفعها للهروب منه بعد اكتشاف أمره لها والهجرة بعد استشهاد جدتها التي اختبأت عندها بعد معارك ضارية بين داعش والنصرة والنظام السوري والجيش الحر وغيرهم ممن لعنتهم جميعاً، لكن الكاتب كان يسترجع من حين لآخر أحداث سبقت زمن الخطاب ليربط الزمنيين بعضهما ببعض ولكن بقدر قليل ومدروس.
جاءت الرواية بلغة سهلة سلسة ومشوقة ومدهشة، والحوار مصاغ بالفصحى وإن تسللت إليه بعض اللهجات المحكية، مما أضفى حيوية على السرد، وقد انفتح النص على عوالم وثقافات مختلفة، واستخدم الكاتب الحوار الداخلي (المونولوج)، والخارجي المباشر، وجاءت في سياقاتها الطبيعية، ولم تخل الرواية من كسر التابوهات والمحرمات (الدين، الجنس والسياسة) بتلقائية ودون افتعال؛ كلازمة في النص الروائي، وما استخدامه أيضا لألفاظ نابية إلا على سبيل التوصيف والتوظيف في إطار الخروج عن المألوف، معبراً عن الواقع المعاش من قهر وسطوة ومعاناة وبطش وطغيان.
مشانق العتمة، رواية صادمة مشبعة بالأحداث، وهي من الروايات المهمة التي ناوشت السلطات وفسادها ودكتاتوريتها بجرأة، وأثارت سلبيات الواقع العربي والفلسطيني المعاش بكل تجلياته، وكشفت عن المسكوت عنه في حبكة درامية مأساوية وموجعة تعكس رؤية الكاتب للعالم كما يراه ويتخيله ويتمناه، وتساؤلاته عن الهوية، وبذلك يمكننا القول إن الكاتب يسري الغول يتجه نحو أنسنة الأدب كرسالة سامية يؤمن بها، عبر عنها خلال السرد الروائي.
قد يعجبك ايضا
وسوم: ,

المزيد من المقالات المشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Fill out this field
Fill out this field
الرجاء إدخال عنوان بريد إلكتروني صالح.
You need to agree with the terms to proceed

القائمة