لا توجد تعليقات

عامر الطيب يكتب لـ “اليمامة الجديدة” حق أصدقائي الشعراء بالضحك

عامر الطيب يكتب لـ “اليمامة الجديدة” حق أصدقائي الشعراء بالضحك

عامر الطيب – شاعر عراقي

الضحك قوة

سنفترضُ أن أماً من نساء القرن التاسع عشر تقود طفلها للمصور من أجل التقاط صورة تذكارية له، لم يسبق للطفل أن تخيل وجود كاميرا وما أن يخرج المصور آلته حتى يبدأ الطفل بالذعر، تحاول أمه إقناعه بأنها تجربة ممتعة عبثاً فيردد المصور بعفوية (ابتسم لتبدو الصورة حلوة ) ومثل أيوهان موريتيز بطل رواية – الساعة الخامسة و العشرون -يبتسم الطفل و تتم المهمة على مضض.

سيشكو الأطفال المبتسمون فيما بعد من أن صورهم لم تكن مقنعة رغم ابتساماتهم البادية و لعلهم سيفهمون أن الابتسامة ليست لقطة يديرها المهرج بقدر ما هي لحظة شعرية تتدفق عن شجاعة وحدس و إيمان غائر بقدرة الضحك على خلق ملامح جميلة أو مقبولة بل سيعترف مجمل عظماء الكوميديا بأن القفشات التي أضحكت الجماهير هي تلك التي تدفقت صدفة خارج نص المسرحية إذ أن الضحك ذاته يحدث من خلال اندفاع الهواء من الرئتين على نحو مفاجئ ليصدر بذلك أصواتا مع حركات اهتزاز في الوجه أو الكتف أو ضربات اليدين و أحياناً تنسى الدموع وجهتها فتشترك مع أخواتها بالفعالية أيضاً.

 وضع الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون كتاباً فلسفياً عن الضحك حاول فيه تسليط الضوء على ما يوجد في عمق الضحك، ما الذي يعنيه أن الإنسان يضحك بسبب دوافع غامضة و متفاوتة فرجل يركض ثم يقع فجأة يجعل المارة يضحكون و لو أنه جلس مجبراً سيضحكهم أيضاً الأمر الذي يوحي إلى أن الضحك مثل الشعر يستند إلى الدهشة غير المتوقعة و هما يشتركان بمعضلة الترجمة فمن الصعب ترجمة نكتة إلى لغة أخرى فالسياقات نابعة من الروح الأرضية و المخيال الشعبي لا من اللغة فقط ولو جربتَ أن تلقي نكتة نخبوية على رفاقك في المقهى مثل تلك التي يرويها المفكر الإيراني علي شريعتي ” يقال أن رأسمالياً أراد أن يبيع منديلاً فأحرق السوق” فلن تبتسم أية شفة ذلك إن تلك النكتة تتطلب شرحاً لوعيها الماركسي الساخر.

يعرف الفلاسفة الإنسان بأنه الحيوان الذي يعرف كيف يضحك و الإضحاك ينطوي على خلق الغرابة أو كسر النسق الراكد في الذهن البشري، الصدمة التي يفجرها عادل إمام في مسرحية الواد سيد الشغال أمام مأموريه: (أي رأيك فتح السمكة و ملقاش الخاتم؟!) فالبحث عن خاتم ببطن سمكة تبدو نهايته معروفة لكن سرد الزعيم للقصة جعلت منا توقع أننا ستجد الخاتم قيل أن يصدمنا جميعاً.

ومثلما يعتمد القنص الشعري على المبالغة والتضخيم و صنع ما لا يمكن الوثوق به أحياناً يبرع فنانو السخرية بتكبير أنوف أبطالهم أو كروشهم أو تشويه قوالبهم الآدمية الأمر الذي يشير إلى تعريف شبه متواطئ بأن الشعر و الضحك هما طرق ذكية لتدمير الانسجام السائد.

الشعوب مجبرة على أن تضحك إذن حتى في كوارثها بل إنها تعمد إلى خلق فجوات سخرية في أشد أزماتها حد أن الكاتب خالد القشطيني ينقل لنا في أحد كتبه أن شخصاً روى نكتة لمواطن ليبي فساله أحد الحاضرين:

“هل الليبيون ينكتون؟ لا بد أنهم جاعوا” ولعل الفترات الأشد سوداوية في تاريخ العراق هي المنتجة لأعظم النكات جزالة و قوة وإضحاكاً.

مؤتمر الضحك

سنة ١٩٩٧ شهدت سويسرا أول مؤتمر عالمي للضحك لتعقب الفترة ظهور مؤلفات عن الفكاهة و دورها في العلاج النفسي بل أكدت دراسات عديدة أن الضحك لا يمكننا من مواجهة الضغوط فحسب بل هو يسند جهاز مناعتنا، يقلل من الإصابات القلبية و يحد من آثار الشيخوخة أيضاً. وكما ترتبط الفكاهة بالفاكهة بما هو حلو و مبشر يرتبط الضحك يما هو نافع و مسر فالعرب تقول ضحكت الأرض إذا أزهرت.

و يقسم العرب الضحك إلى مراحل أولها التبسم ثم الإهلاس وهو إخفاء الضحك ثم الافترار و الانكلال، وهو الضحك المقبول ثم التكتكة و القهقهة و الكركرة ثم الطخطخة وهي أن يصدر الضاحك صوتاً من أنفه و فمه مثل طيخ طيخ ثم الزهزقة وهي أن يذهب الضحك بالمرء كل مذهب.

و الضحك استعداد نفسي و فعالية قابلة للعدوى فهو يبدأ من الفم كما يعبر شيشرون ثم ينتشر في الجسد، 

وينتقل بعد ذلك إلى الأجساد كلها بما يشبه تماس كهربائي، وإن رأى العلماء أن الضحك سابق للغة في تاريخ البشرية أو في دورات حياة المرء فإن الضحك استطاع أن يكون لغة مستقلة يتلاعب بالألفاظ و يخرب تأويلاتها،  يغير مصائر البشر و يصنع ما لا يتوقع، يحاول إعادة البشر إلى طفولتهم، إلى عالم من العفوية و البراءة و الشر المحبب.

ولعلنا نتذكر انحباس ضحكاتنا في مجلس موقر أو في قاعة درس، كيف كنا نبذل جهداً و ضغطاً ثم ما أن يضحك أحدنا حتى تتحرر الضحكات تباعاً، المشهد يدفعنا إلى اعتبار الضحك فعل حرية و تحطيم للجمود الشخصي المثقل بالوقار الزائف.

الضحك بلا سبب

لا يوجد سبب محدد للضحك، الشعوب تضحك بسبب العدوان والمرح، بسبب الحب و الموت والفقر، عند غلاء الأسعار وإثر انخفاضها، تتندر على المثقفين والفلاسفة و الفنانين، على الأنبياء و الآلهة أيضاً، ألا تعتبر عبادة الآلهة بشكل ما طريقة للضحك منها؟ ألا يعتبر توسلك بإلهك الشخصي بأن يرزقك زوجة صالحة أو بطاقة يانصيب مع علمك بأنه لن يفعل ذلك ضحكاً منه؟ ومع علمك بأنه قادر على فعل الأمر ضحكاً من تدبيره شأن الكون؟ وكما لا توجد أسباب للضحك لا توجد أسباب للإبداع البشري شعراً أو فناً أو لعباً.

يرى ديكارت أن الضحك امتزاج الصدمة بالبهجة أما كانط فيربطه بتحول التوقعات الكبيرة إلى لا شيء و بينما يصف نيتشه الضحك بابتكار الإنسان، أشد الكائنات تعاسة في العالم يرى بودلير( أن الضحك شيطاني الطابع و من هذا المنطلق فهو إنساني على نحو عميق )و يجده( علامة على العظمة وعلى التعاسة اللامحدودة) وما أشبه هذه الرؤية بكل ما هو شعري حقاً.

ربما يرتبط الضحك بالمأساة أكثر مما يرتبط بالمسرة فقد توصل العالم البريطاني وليام مكدوجل إلى أننا نضحك بسبب تعاستنا لأن الضحك يوفر لنا إحساساً بأننا أفضل وأجرى العالم روبرت فرين دراسة توصل من خلالها إلى أن ٨٠ بالمئة من ضحكات الناس لا علاقة لها بالفكاهة إنما قد تحدث جراء أسئلة عادية مثل كيف حالك وبين أن النساء يضحكن أكثر من الرجال- النكد إشاعة ذكورية حتى الآن-.وثمة أنواع عديدة الابتسامات مثل ابتسامة البهجة أو الياس أو التصنع أو اضمار الشر و قد قال المتنبي:

إذا رأيت نيوب الليث بارزة

فلا تظنن أن الليث مبتسم

ولعل الليث كان مبتسماً ابتسامة تلطيف و طمأنينة مخادعة ،أي إيصال رسالة غير سارة إلى أبي الطيب.

علم الضحك

في الربع الأخير من القرن العشرين نشأ علم جديد يعرف باسم علم الضحك نما العلم بسرعة ليدرس التأثير الإيجابي للضحك على أعضاء الجسد البشري و توصلت بحوثه إلى نتائج غير مسرة للجيل الشعري الجديد الذي يربط الكتابة بالقلق والتشاؤم و النحس و تمني زوال العالم، ومن أبرز توصلاته أن الضحك يزيد حالة النشاط في الدماغ وينشط عضلات الوجه والظهر والبطن، يفعّل من خلال الأصوات المتقطعة التي يصدرها الإنسان وهو يضحك حركة تنفس على هيئة زفير إيقاعي، يصاحب الضحك نشاط تكاملي بين نصفي المخ الأيمن و الأيسر ،نصف التفكير و الخيال و الصور و نصف اللغة، مرة أخرى يتحد الضحك مع الشعر لإنتاج مزاج خيالي

ولغوي في الآن نفسه.

وكما للضحك فوائد للجسد له فوائد نفسية و اجتماعية مثل التخفيف من وطأة القيود الاجتماعية التي ترهق البشر حيث تلعب النكات دور المنفس لتصريف الطاقات البشرية كذلك يعزز الضحك من وحدة البشر و يطور التواصل فيما بينهم مختصراً طريقاً طويلاً للتعارف والود.

الضحك في الجنة

عاش النبي مع صحابته ظروف اقتصادية و نفسية سيئة، يتم و مجاعات بشعة حتى جاءت الجنة على شكل مائدة من الثمار والفواكه و أنهار من اللبن والخمر ليرد ذكر الأكل ١١٠ مرة والطعام بمشتقاته ٤٨ مرة بل تم التحذير من الخوف والجوع و نقص من الأموال والأنفس وهي إشارة ذكية لربط القهر البشري بأسباب اقتصادية ويمكن تعريف الجنة الإسلامية على أنها المكان الذي لا جوع فيها ولا عراء و إحالتها إلى مدينة تتوفر على مقومات العيش المرفهة للإنسان.

وبالقياس لما عاناه النبي من مجاعة ويتمٍ كان لا بد أن يكون نبياً ذا حس فكاهي وكان الكثير من أصحابه يحبون النكات، فروي أن عثمان بن عفان كان صحابياً منكتاً و قد شاهده النبي ذات مرة يأكل التمر وهو على رمد فسأله النبي كيف تأكل التمر وأنت أرمد؟

فقال:

 آكله من الجانب الآخر  

فضحك النبي حتى قال:

“عثمان يدخل الجنة ضاحكاً لأنه يضحكني”

وكان علي بن أبي طالب بشر الوجه وطلق المحيا والتبسم حتى ضرب به المثل بذلك فقال عمرو بن العاص: إنه ذو دعابة شديدة لتشويه سمعته عند أهل الشام ليرد علي (عليه السلام) في ذلك: عجباً لابن النابغة! يزعم لأهل الشام أن في دعابة، وأني امرؤ تلعابة”. كان كذلك الصحابي نعيمان الأنصاري الذي يروى إنه دبر موقفاً كوميدياً رهيباً فباع على بدوي حراً كعبد، الموقف الذي ظل يضحك النبي على مدار سنة كاملة متى ما تذكره.

أما زعيم الكوميديا آنذاك فقد كان رجل ذا عينين خضراوين يدعى أشعب الطماع وقد قربه عثمان منه وقد سمي بالطماع لحبه للأكل و الولائم و النساء و سألوه عن حدود طمعه فقال:

“ما زفت عروس إلا و كنست بيتي لعلهم يأتون بها إلي”

ومن أطرف النوادر ما يؤلف أو يرويها الأصمعي من أنه استضاف أعرابياً و أمر جاريته أن تأتيهما بالتين فنستْ وبعد ساعات سأل الأصمعي ضيفه عما يحفظ من القرآن فقرأ :-

و الزيتون و طور سنين وعندما استوقفه قائلاً:

أين التين؟

أجاب:

 نسيته أنت وجاريتك.

تؤدي النكتة هنا دوراً عفوياً بتطويع النص الديني تلبية للحاجة الاجتماعية للفرد و ما أبلغها من قيمة أن نؤسس مرة أخرى فهماً للخالق كخادم للخلق.الضحك والشعر إذن هما باعثا الأمل و المرح و الدهشة، صانعا الجنة الساخرة من الجحيم اليومي، كاسرا هيبة اللغة و رتابتها و من أجل ذلك اضحكوا متى ما أردتم ومتى ما لم يتوفر لكم ذلك، هاءات متقطعة كسرب طيور هاء خلف هاء كنشيد جماعي أو فردي ذلك إننا جميعاً نعيش في عالم من النواح العابر.

قد يعجبك ايضا

المزيد من المقالات المشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Fill out this field
Fill out this field
الرجاء إدخال عنوان بريد إلكتروني صالح.
You need to agree with the terms to proceed

القائمة