ثقافة

في ذكرى رضوى عاشور

في ذكرى رضوى عاشور 

صفاء حميد- خاص اليمامة الجديدة 

الفتاة التي لم تعدنا بشيء، الفتاةُ التي تتلمَّسُ أوصافها بين جسم يرنُّ بأوصافه الداويات، وروحٍ هشاشتها خجل أو ألم. الفتاة التي تتمرجح في كوعها سلة التين، قاصدةً بيت جدَّتها في الصباح. الفتاة التي لم تعدنا بشيء، الفتاة التي كرَّهتها تنانيرها بالرياح. الفتاة التي كرَّهوها بالضحكة الصاخبة، والتي علَّموها الرضا بالمتاح واعتياد الندم.
الفتاة التي لم تعدنا بشيء، سترتها المتاريس عن أعين الجند، لكنها فضحت نفسها للعلن.

هكذا يتحدث مريد عن الفتاة التي لم تعده بشيء، وهكذا أقتبس منه لأتحدث عن الفتاة التي منحتنا كلَّ شيء.

رضوى التي أخرجتها لنا مصر، وأخرجتْ لنا هي الحياة، حياة طرَّزتْها كما تشتهي، ألوانٌ في زاوية ورسوم في زاوية ثانية، غيمة سوداء هنا وشمس تسطع هناك. رضوى السيّدة التي فُتِح لها الباب أبديَّاً لتدخل من حيث تشتهي. رضوى التي قفزت فوق الممنوع والمنكر، واختارت طريقها حين كان الاختيار صعباً كما الطريق. رضوى التي تصنع الحكايات بالحبِّ كما تصنع الجدات كعك العيد، وتعبر من فوق الشوك إلينا لتزرع عندنا زهرة.

عرفها كثيرون كأم تميم البرغوثي وزوجة مريد البرغوثي، وقلةٌ عرفوها باسمها وفعلها.

كتبتْ رضوى على مدار سنوات طوال، أدباً إنسانياً اجتماعياً، يغوص في التاريخ ليصنع اليوم، ويصنع اليوم ليقول انظروا للتاريخ.

رصدتْ أحوالاً غريبة في أواخر أيام الأندلس، فكتبتْ عن غرناطة ومريمة، عن الحب والوحشة والخذلان.

عرفتْ حكاياتٍ قاسية عن دير ياسين والطنطورة، فكتبتْ الطنطورية، عن السنين الطوال بعد النكبة، عن النكبات التي لا تنتهي، عن الزرع الذي لا يصفرُّ والبحر الذي لا يهدأ له هدير.
عرفتْ أحوالاً عن النساء فكتبتْ الأطياف، تستحضر فيها صورتها وصورة كل النساء، عن الضعف والقوة، عن الأسئلة وللدموع السريَّة، ومشانق الجدائل والتنانير المجحفة.
وحاولتْ أن تعرف رضوى فكتبت أثقل من رضوى، عن رضوى التي اقتُبِسُ اسمها من الجبل لا من الرضا، من الشدَّة والقوة والشغف، لا من الضعف واللين.

عرفتٔ كثيراً وكتبتْ كثيراً، لتترك لنا إرثاً يستحق أن نعود إليه ونتلمَّس فيه قبساً من نور، نهتدي فيهِ إلى نهاية أنفاقنا وخبايا نفوسنا.

كلَّما ذكروا لي سيدة كاملة، لم يأتِ في بالي غيرها، بشعرها القصير ونظارتها، وهيبة الأمهات الشديدات الطيبات، تقف في قاعة الدرس وتعطي الطلاب قلبها، وتقف وراء المكتب وتمنح القرَّاء روحها، وتأوي إلى العائلة فتمنح العائلة كلَّها. ولو سألوني ماذا ستصيرين وحانت لي شطحةٌ في حينها  لقلت إني أريد أن أصير رضوى، سيدةً كاملة.

هذه رضوى التي أحبُّ، رضوى الكاملة التي وبعد انقضاء العمر وفتك المرض والوطن والأحلام، وصفت نفسها قائلة:

أستحضر المشهد حين يراودنى اليأس، أقول لنفسي: لا يصحُّ أو يجوز، لأنني من حزب النمل.
من حزب قشَّة الغريق، أتشبث بها ولا أُفلتها أبداً من يدي، من حزب الشاطرة تغزل برِجْل حمارة.

لروحها الحرَّةِ في ذكراها وردةٌ، وألف سلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى