نصوص

الأديب زاهر حنني يكتب قصة قصيرة بعنوان” المجد”

المجد

قصة قصيرة

   بقلم: د. زاهر حنني

فكرة التشكيك بنسبي لم تخطر إلا على بال شيطان، ابتدع الفكرة وسهر على إخراجها ليالي طويلة، فكانت في النهاية روايته في مقابل روايتي، وهما روايتان متناقضتان، الأولى قدت الصخر، وحطمت القيود، وتجاوزت المعقول، وابتدعت معجزة، فكانت أسطورة الحاضر، وانعكاسا لقضية، هي قضيتي، وهي الحقيقة الثابتة التي لا تقبل الجدل. والثانية خرافة كاذبة صورتها أخيلة مريض سولت له نفسه أن يشكك بالحقيقة، فيلجأ إلى ابتكار قصة من وحي خياله المريض، على أمل لا رجاء فيه، أن يتماهى مع الشيطان لبلوغ قمة مجدي، وتاج مملكتي، ولكنه في النهاية لم يتمكن من بلوغ أسفل حذائي.

عبد الله ووفاء طالبان جامعيان في مقتبل العمر، جمعتهما قصة حب على الطريقة الفلسطينية، مناضل ومناضلة، أجبرهما الاحتلال على العيش في ظروف قاهرة، لم يتمكنا من الاجتماع في بيت واحد إلا بعد معاناة طويلة، ركبا قطار العشق الأزلي في سباق مع الزمن من أجل نيل رضا الوطن، ثلاثة شهور قضياها معا، همهما الأول كيف نعد لأبنائنا مستقبلا أفضل، ليس فيه احتلال، ليس فيه معتقلات قهر نازية، ليس فيه حواجز قتل يومية، ليس فيه هدم بيوت وتشريد أهلها في العراء، مستقبل ليس فيه إلا النور والحب والأمن، وركب هو في المقصورة الأولى من القطار السريع، وهي التي أعدت له زاد الطريق.

وجد نفسه في زنزانة انفرادية، ليس فيها أدنى مقومات الحياة الإنسانية، يساق من حين إلى حين إلى محكمة، ليس فيها من المحاكم سوى شكلها الخارجي، وحكم عليه بالسجن لمدة طويلة، بتهمة لم يسمح له فيها أن يدافع عن نفسه، ولا أن يقول كلمة واحدة، والتهمة هي حب الوطن بطريقة عفوية.

عبد الله أسير زنزانته القاتلة، تحتل صورة والده أرقى قمم التقدير والاحترام، ودمعة، وتحتل صورة والدته أسمى قيم الحنان والعطف والأمومة، ودمعة، وتحتل صورة حبيبته قمة عرش الأحلام الوردية، ودمعة، وصور إخوانه وأخواته ترافقه جيئة وذهابا، ودمعات، وتتشكل صورة الوطن بكل ما يمثله من هؤلاء جميعا، والأصدقاء والأقارب وربوع الوطن بتجلياته في السهول والوديان والجبال، بقراه ومدنه ومخيماته، وسيل من الدموع.

وفاء بكل ما يجتاحها من قهر وألم ومعاناة لم تهزم، وقفت متحدية جبروت قهر الاحتلال، وقفت بشموخها وعزتها وكرامتها، أبية صامدة، تعانق شجرة زيتون ألفية وتتجذر معها في الأرض، وتتوحد مع فروعها الباسقة مخاطبة عنان السماء، متوجهة إلى الله أن يعينها على الصبر والصمود والتحدي، وهي تحمل في أحشائها جنينا كان عمره ثلاثة أشهر عندما اعتقل والده.

التقيا في زيارة تفصل بينهما الأسلاك الشائكة، بادر بسؤالها عن أبيه وأمه والجميع، ثم عنها وعن جنينها الذي شارف على الخروج إلى الحياة، تحجرت الدمعات في مقلتيها، وتصلبت واشتد عزمها وجبروتها، وقالت له: نحن جميعا بخير، المهم أنت، كيف أنت؟ أخبرها أنه على العهد، وأن خرافة الاعتقال ما هي إلا بضعة أسلاك شائكة ومعقدة، قد تحول بيننا، إلا أنها لن تحول بين قلبينا.

لا أحد يستطيع أن يقرأ عيون أسير إلا أسير مثله، ولا أحد يستطيع النفاذ إلى عقله إلا من يعيش معاناته، أو عاشها، مضت سنوات وما زال عبد الله على ما كان عليه، لا هم له إلا الوطن، وما فيه من أحبة، جاءته ابنته في المرة الأولى جنينا في بطن أمها، وها هي اليوم تأتيه وقد صارت طالبة في المرحلة الابتدائية، لا تعرف من شكله إلا صورته المقسمة بفعل تكرار رؤيته من وراء الأسلاك الفاصلة بين وجهيهما، ولكنها تعرف قلبه وتحس آلامه وتعيشها، وصورته الحقيقية تعيش في نبضها.

لمعت في ذهنه الفكرة كبارقة أمل تعيد إليه الحياة من جديد، لماذا لا نستمر في الإنجاب؟ هل هو معقد مستحيل إلى هذا الحد؟ لا، نحن الذين رسمنا ملامح الحياة التي نريدها، كما نريدها، برغم كل ما حاولوه لمنعنا من الحياة.

الأمر يحتاج إلى إعداد جيد، ويتطلب سرية عالية، هل سنحتاج إلى اثنين من الثقاة يشهدان على أن النطفة مني، وهل نحتاج إلى تنسيق مع طبيب يشرف على عملية نقل النطفة إلى الأم، وإلى من يهرب النطفة عبر وسيلة مناسبة وبتوجيه من الطبيب، لا، ينبغي أن تكون عملية النقل سراً لا يعلمه أحد، وهو ابتكار فلسطيني حصري، وتحت أي ظرف ينبغي أن لا نثق بأحد لينقلها، وما نحتاجه هو أن يعرف أحد الثقاة من أهلها وأحد الثقاة من أهله، وأن يتابعوا حال الزوجة بعد تنفيذ نقل النطفة إليها، وأن لا يعلم بها أحد حتى لا تصير سرا مكشوفا، وكي يتكرر الأمر بعد التجربة الأولى بنجاح فيما بعد.

تم التنسيق بين الأسير والزوجة التي بدأت بتحضير نفسها فورا، والتي أضاءت لها الفكرة عالما جديدا يعني أشياء كثيرة؛ أولها، أنها ستكون مناضلة من نوع جديد تبتكر من خلالها طريقة لمقاومة الاحتلال ووقف تغوله في عقولنا، وكسر شوكته الطامحة إلى وقف نسلنا، ثم تتحقق أحلامها في إنجاب أطفال آخرين من زوجها الذي نذر نفسه للوطن، ويضحي بشبابه من أجل قضيته في معتقلات لا تعرف الرحمة، وتهدف إلى إنهاء حياته جسديا ونفسيا وعاطفيا واجتماعيا.

ثلاثة شهور قاسية من التخطيط والإعداد محاطة بكل أنواع الحيطة والحذر والقلق، والرجاء، إلى أن وصلت النطفة المحررة إلى الزوجة وصارت في أحشاء الأم بإشراف أهلها وأهل زوجها، وتم الحمل.

تسعة شهور تشرئب الأعناق نحو رجاء تحيط به عناية الله، عبد الله يعد الدقائق والثواني، ووفاء تبتهل إلى الله ليلا ونهارا، وتناقل الخبر الأقربون بداية، ثم بدأت تتسع دائرة العارفين شيئا فشيئا، والشهود يقسمون على صدق شهادتهم، والطبيب يعمل بكل طاقته كي يثبت أن المعجزة الفلسطينية الجديدة على وشك الإنجاز، ومخاض الأم تحول من عذاب إلى فرحة ناجزة، ووضعت حملها، ذكرا، لم يبق إلا أن يتكلم في المهد كي يصير أيقونة البقاء الخالدة.

لا أحد يستطيع أن يصف مقدار الفرح الذي عم الأرجاء، مجد خرج إلى الحياة، وسط إعلان عام، وبهرت التجربة الجميع، وراحت النسوة يتوافدن على بيت الأسير للمباركة بالمجد الجديد، وكذلك فعل الرجال، وصارت قصة المجد أيقونة بقاء خالدة لا أحد يستطيع أن يتصور روعتها، ولا أحد يفكر ولو من بعيد في التشكيك به وبصحة نسبه، وأم الأسير تحدث جميع النساء واصفة أدق تفاصيل نقل النطفة وزراعتها، والتحقق منها. وكيف تم نقل الخبر إلى الأسير الذي ضاقت به الدنيا بما رحبت انتظارا لرؤية ولده، وطارت كل أحاسيسه إلى عيون المجد، الذي حملته أمه في أول زيارة إلى الأسر، انتقل الأسرى الذين رأوه من حالة القهر الذي يعانونه على أيدي سجانيهم، إلى حالة الشعور بفرحة الانتصار، وكأن كل واحد منهم نال حريته للتو. أما عيون السجانين فكانت خائبة خاسئة مهزومة، وستظل كذلك ما دام المجد يولد من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى