لا توجد تعليقات

قصيدة الأقنعة للشاعر محمد عبدالله البريكي، وطاقة القلق الوجودي: محمد البوجي

قصيدة الأقنعة للشاعر محمد عبدالله البريكي، وطاقة القلق الوجودي

بقلم الدكتور: محمد بكر البوجي/ فلسطين

لماذا إذا غبتَ صارَ القصيدُ
ببوابةِ الحزنِ كالزوبعةْ

وأنتَ رياحي التي لا تخونُ
فتى الموجِ والفلكِ والأشرعةْ

وكانت شواطئُنا في الظلامِ
لوجهتِنا تلبسُ الأقنعةْ

وغنيتُ صبريَ والعابرونَ
على ضفةِ الموجِ كانوا قصبْ

تسابيحُهُم تستعيذ كثيراً
من الموتِ والجوعِ واللا مهبْ

وكانت نجومُ النداءِ الغريقِ
بشعري تضيءُ سماءَ العتبْ

لقد صارَ بـُعدُكَ باباً قديماً
وصدُّكَ قفلاً علاهُ الصدأْ

ومفتاحُ صوتي هزيلٌ.. فأضحى
يـُضيـِّعُ حاضرُهُ المبتدأْ

وما بين صوتي وصدكَ حزنٌ
فأيـُّهُما في الجفا قد بدأْ ؟

مصيبتُنا لا ندلُّ الطريقَ
أنا ..أنتَ ..والحزنُ .. والكبرياءْ

ومن خلفـِنا كان ثمّةَ نهرٌ
لماذا عطِشنا وفي النهر ماءْ ؟

لقد جرَّحَ الظمأُ الأمنيات
فكيفَ يعودُ إليَّ الرواءْ ؟

تغيبُ تغيبُ وكوخُ اللقاءِ
تلاعبُهُ الريحُ والعاصفةْ

وبابي بعكازهِ يستغيثُ
بعينِكَ لكنها ناشفةْ

فتسقطُ فيكَ ظنونُ الغيابِ
وأصعدُ للدمعةِ الخائفةْ

عنوان النص وعتبته، الأقنعة، ولم يقل القناع ربما لأمرين اثنين: الأول أن هناك قصائد عربية تحمل اسم القناع وحتى لا تخلط هذه القصيدة بتلك القصائد العربية، ثم الأقنعة هي جمع ومن النص نفهم أن المقصود من الشخصيات هنا هي شخصيات جمعية لمجتمع كامل متكامل له في الماضي سلوكيات وحضارات بدات بإثر الحضارة الغربية تندمل وتتلاشى هذا مما جعل الشاعر يحمل قلقا ثقافيا وقلقا وجوديا لهذا سماها الأقنعة.
القصيدة هي رثاء للحياة السابقة برحيل الأب و برحيل الجد، اللذن يرمزان إلى، الزمن السابق، ترمز إلى الأجيال التي رحلت ورحلت معها تلك الحياة التي كانت فيها محبة ووئام وتصالح مع الذات وتصالح مع المجتمع وفيها جلسات هادئة مساء، وفيها عمل مشترك صباحا هذه الحياة بدت وكأنها اليوم تتلاشى بفعل موجودات تكنولوجية أضعفتها. تتأرجح حركة النص بين زمانين وبين مكانين وبين مجتمعين، زمانين الزمن القديم والزمن الذي يعيشه الشاعر، المكان ربما مكان البحر حيث كنا نعمل هناك سويا ومكان الصحراء الذي ابتلع كل شيء في نفسياتنا، أيضا النص مليء بالطاقة ومنبع الطاقة أنه يكاد يكون نصًا مسرحيًا دراميًا في لا شعور الشاعر حيث يرغب في إنجاز نص مسرحي كبير، هذا مقطع من النص الذي يطمح الشاعر في إنجازه عن تقلبات الحياة وصراع الحياة وربما صراع الطبقات والأجيال في المجتمع العربي، الشاعر يمتلك أدوات الكتابة للمسرح الشعري فهو يمتلك لغة رائعة، يمتلك “كميرا” تصويرية في ذهنه راقية، يمتلك أدوات البداية والنهاية، يمتلك كل مقومات كتابة فن المسرح الشعري، وأعتقد أنه يومًا ما سيذهب في هذا الاتجاه ويكتب مسرحًا يخلد اسمه عبر التاريخ، من هنا جاءت الطاقة التي نستشعرها في كل مفرادت النص، توجد طاقة بمعنى أن اللغة التي يستخدمها الكاتب تحمل طاقات رهيبة في البداية، يقول:
لماذا إذا غبت صار القصيد.
استفهام تقريري، الغياب هو غياب مجتمع يمثل طاقة الآباء والأجداد، سلوكيات مجتمع، لكن تقمصه أو وضع الأباء قناعًا له لماذا، يقول :
إذا غبت صار القصيد
ببوابة الحزن كالزوبعة

الزوبعة هنا تعطينا طاقة حركة ذاتية يدور حولها الشاعر في كل الأبيات، نحن ندور حول أنفسنا في طريقة لولبية هي مثل الزوبعة، وبالتالي نحن نعيش حالة من فقدان التوازن، وربما بناء شكل مجتمع جديد لا علاقة له بالماضي.

وأنت رياحي التي لا تخون
الأب أو المجتمع السابق ينمذج السلوكيات الحضارية السابقة ، تمنح الطاقة الكامنة في كلمة الرياح شعورا إيجابيا ، لأن الرياح جمع تفيد التغيير نحو الأفضل كما وردت في القران الكريم ( الرياح بُشرا ) الأعراف 57 ، أما وروودها مفردة تعني طاقة سلبية (ريح صرصر عاتية ) آل عمران 117، هنا والده وأجداده هم الرياح التي كانت تأتي بالخير.

فتى الموج والفلك والأشرعة
كلمة “فتى” هنا تذكرنا بقصيدة الشاعر طرفة ابن العبد الذي هو ابن نفس المكان الجغرافي، ابن البحر والبر معًا، الذي أفرز النص بقوله:

إذن هنا أيضا فيها نوع من الاعتزاز بالذات بأنني أنا الفتى الذي يمكن الارتكاز عليه في إظهار تجليات ذهبت مع السابق وسلوكيات بدات تعتري هذا المجتمع، إذن نحن أمام قصيدة تمتلئ بالطاقة وخاصة أن النص يرتكز على أربعة أبيات فقط رئيسية البيت الأول والثاني والبيتين الأخيرين التي يقول فيهما :
وبابي بعكازهِ يستغيثُ بعينِكَ لكنها ناشفةْ
فتسقطُ فيكَ ظنونُ الغياب وأصعدُ للدمعةِ الخائفةْ

وما بين هذه الأبيات هو تحليل وتفصيل وشرح لها.
إذن نحن أمام قصيدة تكاد تكون رثاء إما أن تكون للأباء والأجداد الذين هم سند الحياة وسند الريح الذي كان يسندني ويسند معي الفلك والأشرعة و الموج والمقصود بهم الزمن، أو هي العادات والتقاليد والسلوكيات الحضارية العربية الأصيلة التي ذهبت مع وجود تقنيات حداثية .
نعود إلى القناع ، القناع في الأدب العربي بدأ مع البياتي في بداية الستينيات من القرن العشرين وأيضًا بعض القصائد والأبحاث التي كتبت، لكن أريد أن أقول شيئًا أن القناع موجود في الأدب العربي منذ امرؤ القيس في العصر الجاهلي عندما تغزل غزلًا فاحشا وذكر أسماء فتيات، أعتقد أن هذا قناع تلبًسَه امرؤ القيس ليظهر أنه يمارس ويتغزل ويفعل كذا، لكن في الواقع هي أسماء وهمية من اختراع الشاعر، القناع هنا.
لماذا إذا غبت صار القصيد وأنت رياحي، وبابي،
إذن اتخذ من الباب قناعًا له لأن الباب هو مفتاح الحركة وأيضا دلالة الانغلاق التي تساوقت مع حروف الروي ، أيضا يعني له:
وكان نجوم النداء الغريق بشعري تضئ سماء العتب

هو يعتب لهذا نقول أن هذه القصيدة هي رثاء لعادات وتقاليد سابقة ويعتب على المجتمع أنه ترك العروبة الأصيلة في عاداتها وتقاليدها وبدأنا نعيش في مجتمع مختلف، يقول:

وغنيت صبري والعابرون
على ضفة الموج كانوا قصب

تسابيحهم تستعيذ كثيراً
من الموت والجوع واللا مهب

بدأنا في جوع ثقافي، بدأنا في موت ثقافي وأشباه مجتمعات كأننا قصب والقصب له دلالات: أولًا أنه ضعيف ممكن أن ينحني تحت هب الرياح ويسهل كسره، ثم أنه من الداخل فيه فراغ والفراغ هنا فراغ نفسي وفراغ ثقافي، كثر الغرباء الناطقين بغير اللغة.
كلمة العابرون تذكرنا برائعة الشاعر الفلسطيني محمود درويش ( عابرون في كلام عابر ) مع الاختلاف في السياق التي يقول فيها عن العابرين:
أيها المارون بين الكلمات العابرة
كالغبار المر .. مروا أينما شئتم ولكن
لا تمروا بيننا كالحشرات الطائرة
فلنا في أرضنا ما نعمل
ولنا الماضي هنا
ولنا صوت الحياة الأول
ولنا الحاضر والحاضر والمستقبل

طبعًا درويش يقصد الصهاينة الذين طردوا شعبه من ديارهم، بينما شاعرنا يقصد العمالة الغريبة التي وضعت المجتمع في مازق حضاري ووجودي، العابرون على ضفاف الموج هم الأجانب الذين لا قلق عندهم لا على المجتمع ولا على الوطن، ثقافة مغايرة تماما وقلق ذاتي مختلف ولغات غريبة ، هؤلاء هم سر نكبتنا وضياع ثرواتنا سواء في فلسطين المحتلة الغرباء القادمين من دول أوروبا أو الغرباء القادمين لاستلاب الثروة.

أريد ان اقول شيئا واحدًا، أن شاعرنا يمتلك أدوات شعرية رائعة جدا وراقية جدا وأنه مثقف يشعر بعبء المرحلة وثقلها، لهذا جاءت بعض الصور الشعرية عنده، ربما توارد خواطر مع شعراء سابقين، مثلًا في قصيدة رثاء للشاعر العراقي السياب يقول فيها:
والدايً ماتا في طريقهما للحسين

هل يقصد السياب ذلك مباشرة إطلاقًا لا، يقصد شيئا آخرًا ربما فقده نبض المجتمع الذي كان يحياه. أيضًا شعراء آخرون ذكروا هذا النبض وتلك الطاقة المفقودة والمهدرة في مجتمع يؤلم الشعراء الذين هم أكثر إحساسا بقوة نبض المجتمع والمتغيرات التي تطرأ عليه سلبًا، لكن تبقى قصيدة الشاعر محمد عبد الله البريكي، جاءت في وقتها وفي مكانها الذي ينسجم مع هموم شاعر المكان نفسه، طرفة بن العبد، هنا قصيدة لها سمة الضفاف الواسعة في التحليل والعمق ولهذا كان سر استخدام القناع، ليوسع ضفاف القصيدة ويعمق دلالاتها وهنا كانت روعة الصورة الشعرية المتلاحقة في النص حيث قلنا أن النص هو نص درامي يصلح أن يكون جزءًا من مسرحية كبيرة ، كل ما فيها من صور متلاحقة فيها حزن وفيها رثاء وفيها بكاء على مجتمع يصعب عليه مصيبتنا.
لا ندل الطريق أنا .. أنت .. والحزن والكبرياء
بيت رائع فيه يجمع بين الحزن على مجتمع بدأ يفقد الأصالة وسلوكيات وعلامات الألفة والمحبة التي ضاعت بسبب كثرة الغرباء عن اللغة ، لم يفصل بينهما ، أنا .. أنت بحرف العطف – و – الذي يعني المغايرة ، إنما فصل أو قل ربط بينهما بواد فيه ماء ، أي أنا هو أنت ، أنت هو أنا لا فرق في الأصل بين مجتمعين ، لكنه استخدم واو العطف بين الحزن والكبرياء ، لأنهما طاقتان مغايرتان ، ومتضاربتان داخل أنا أنت ، داخل النفس الواحدة ، لذلك ظل متمسكا بهذا الكبرياء:

ومن خلفنا كان ثمة نهر لماذا عطشنا وفي النهر ماء

صورة راقية في مجتمع صحراوي، طبعا النهر معروف أنه به ماء واذا جف النهر فهو يتحول إلى وادي جاف يمتلئ موسميا مع المطر هنا يقول ثمة نهر وفي النهر ماء والمقصود بالنهر هنا ليس المتعارف عليه ولكن هنا انزياح لغوي كما في معظم الصور الشعرية بل في كلها انزياح لغوي المقصود بها هنا المودة والمحبة والتآلف والسلوكيات العربية الأصيلة،
لقد جرح الظمأ الأمنيات
فكيف يعود الى الرواء؟

الأمنيات والجرح عميقًا في مجتمعنا بأنه تناسى أو ترك أشياء وحافظ على شخصيته فكيف يعود إلى الرواء؟ لا بد أن يعود إلى نبع الرواء، هنا استفهام استنكاري لا بد أن يعود إلى الرواء أي أن يعود إلى العادات والتقاليد العربية الأصيلة
تغيب تغيب وكوخ اللقاء
يكرر تغيب هنا تغيب تغيب الرواء وكوخ اللقاء تلاعبه الريح والعاصفة الكوخ الذي كنا تجتمع به كل العائلة والأحباب والأصدقاء فارغ الآن ليس فيه إلا آثار الريح تلاعبه والعواصف ترفعه وهذا رياح عاصفة الحضارة الغربية التي جاءت بالتكنولوجيا وجعلت كل إنسان ينزوي ولا يختلط بالآخرين، وأن تعدد حروف الروي هنا دلالة الاضطراب النفسي والقلق الذي يعتري الشاعر لحظة الإبداع، عندما يكون قلقًا أكثر يستخدم التاء المربوطة المغلقة فهو يغلق على نفسه بسبب الزوبعة، وحين يستخدم صوته الممزوج بالكبرياء يستخدم ألف المد، ثم يقمع نفسه بالهمزة الساكنة، ثم الباء الساكنة المغلقة، هذا نتيجة الطاقة المترددة التي تسيطر على أعصابه ومناخه الثقافي العام ، لكن ليس هذا ما يريد فيغلق على نفسه أداة السكون، إنه يرحب بالتغيير المنتج داخليًا. نحن أمام شاعر كبير جدًا شاعر يمتلك أدوات ومقدرة وعواطف شعرية راقية، أتمنى لشاعرنا أن ينفذ ما يكمن في لاشعوره من أنه سيكتب مسرحًا شعريًا جادًا يشخص فيه بين حالتين، بين مجتمعين، سابق يمارس شخصيته وثقافته ومجتمع اختلطت عليه المسارب، مسرحية يخلد اسمه عبر التاريخ شاعرنا الكبير محمد البريكي ألف تحية لكم من قلب فلسطين النابض بعروبته.
قصيدة تمثل القلق العربي الوجودي وما يعتري المجتمع العربي من انقسامات لا لزوم لها، ولا حاجة لنا بها، لأنها بفعل خارجي غريب.

قد يعجبك ايضا

المزيد من المقالات المشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Fill out this field
Fill out this field
الرجاء إدخال عنوان بريد إلكتروني صالح.
You need to agree with the terms to proceed

القائمة