لا توجد تعليقات

كيف عالج مسلسل مدرسة الروابي قضية التنمر وهل نجح دون خلق مشكلات جديدة؟

مسلسل مدرسة الروابي

كيف عالج مسلسل مدرسة الروابي قضية التنمر وهل نجح دون خلق مشكلات جديدة؟

بقلم: خضر فريد جندية

رد فعل ضحية التنمر ما بين.. الاندفاع والتردد.. الاستسلام والتشجيع.. العناد والذكاء.. التخطيط والعمى.. الثقة وفقدانها.. الحكمة والحقد… الجريمة.

عانت مريم بطلة مسلسل مدرسة الروابي للبنات من هذه المشاعر المختلطة جراء تعرضها للتنمر اللفظي والجنسي والجسدي من زميلاتها في المدرسة وتعرضها لمشكلات خطرة على صحتها النفسية والجسدية نتيجة هذا التنمر.

يعرض مسلسل مدرسة الروابي هذه القضية بشكل مبدع وواقعي لا يجعل قضية التنمر ترتبط بدولة أو ديانة أو جنس محدد، بل خرج عن الإطار المكاني، والزماني حتى، فلم يكرس وضوح معالم الدولة المنتجة للفيلم (الأردن) بجعل القضية ذات بُعد شخصي واجتماعي لا يربطها بمكان معين.

أما الإطار الزماني فخرج المسلسل منه بجعل المجتمع بفئاته العمرية كافة، ومختلف خلفياتهم الاجتماعية مشاركون في التنمر بشكل أو آخر، فوجدنا تنمر ليان على زميلتها مريم، وتنمر ليان على عاملة النظافة، وتنمر والدة مريم على نوف بنظرتها على لبسها ومظهرها، وتنمر ليان على شقيقة نوف الصغرى وغيره.

كيف يعالج المسلسل التنمر؟

الأصل في الدراما والأعمال الفنية أن تطرح المشكلات الإنسانية في المجالات المتنوعة وتعالجها بشكل إبداعي ذكي، يُخرجها من طائلة الإتهام بالتحريض أو العنف أو التشويه إلخ.. في مسلسل مدرسة الروابي طرحت الكاتبتان إسلام الشوملي وشيرين كمال المشكلة باختيار سن وفئة حساسة -بين 16 و 17 عام- تعاني بشكل بالغ من ظاهرة التنمر الخطرة ذات التأثير السلبي الكبير كما ذكرنا.

انتهى المسلسل بحدث كارثي قد يتوهم البعض أن المسلسل يدعو إليه، دون الالتفات إلى أن المسلسل يضيء لنا إشارات الضوء الخطرة التي تودي لهذه النتيجة:

أولاً: الصمت عن التنمر والدفاع عن المتنمر لأسباب وأطماع شخصية ذاتية كما في شخصية مديرة المدرسة، والذي يشجع المتنمر على الإسفاف في التنمر.

ثانياً: الكبت وعدم المواجهة كما في الشخصية الرئيسة بالمسلسل (مريم)، ما يودي لتراكمات تجعل من الشخص كائن آخر.

ثالثاً: المجتمع السلطوي الذي يخجل من سماع مشكلات الأبناء، وشبح السمعة الذي يجعل الشخص في دائرة لا يجب عليه الخروج منها أيا كان الظرف، ما يوفر بيئة خصبة لتنامي التنمر وحماية المتنمر.

رابعاً: الأهل وانسياقهم خلف المجموع أو الجماعة، وانقطاع حبل الثقة بين الأهل والأبناء ما يجعل الجدار الأخير للمتنمرعليه يسقط، فيلجأ الشخص للانتقام لا المواجهة، والذي يجعل من ضحية التنمر مجرما بتشارك من المتنمر والبيئة المحيطة والمجتمع والأهل.

خامساً: الصمت عن المتنمر إذا أُتيحت للضحية فرصة الاشتكاء عنه ومعاقبته، خوفا من المواجهة، وكما ذكرنا من المجتمع والسمعة وغيرها كما حصل مع مريم أولاً ثم نوف.

السياق الدرامي وبناء الشخصيات:

تصاعدت الأحداث عبر الخط الدرامي بشكل سلس مشوق وغامض، وصولا للعقدة الأولى المتمثلة بعقاب الضحية (مريم) بالفصل أسبوعين من المدرسة وتخلي الجميع عنها، وبعد عودتها (ضحية للتنمر أيضا)، تتخذ أول خطوة تصعيدية بغموض تام، يتضح فيما بعد بأنها خطة انتقام كاملة من المتنمرين الثلاث الرأيسين (ليان، رقية، روان)، ويتكرر هذا النمط من الخط الدرامي إلى نهاية المسلسل.

الشخصيات بنائها محكم ومتقن، لم يُخرجها عن الإطار النظري في مجال صناعة الدراما سوى ذكاء المخرجة تيما الشوملي، في إخراج الشخصيات بشكل مميز يخدم كل منها بناء القصة ودعمها:

مريم: طالبة متميزة منضبطة ذكية، تحظى باحترام المعلمات وتقديرهن، تتعرض للتنمر من زميلاتها. تخطط للانتقام من المتنمرين بشجاعة، ثم تردد، ثم استسلام، ثم تشجيع. يعكس هذا الخلط صفاء الشخصية وعدم رغبتها في الإيذاء، ثم تنقلب للإسراف في الإيذاء، وهذا يتماشى مع الاتجاهات الفنية الحديثة التي تعتبر أن الشر ولادة من تصرفات البيئة والمجتمع والأهل غير السوية، وتلعب هذا الدور الممثلة اندريا طايع.

ليان: طالبة مشاكسة متنمرة متعالية، ابنة رجل ذا سلطة مالية وسياسية عليا، تنفد دوما من العقاب وتتستر عليها المديرة لهذا السبب. تعكس الشخصية قوة السلطة والمال في صنع سلوكيات غير سوية بطريقة مباشرة وغير مباشرة، وأن التستر لا يصنع سوى مزيدا من الشر وبالتالي تعميق المشكلات، وتلعب هذا الدور الممثلة نور طاهر.

دينا: طالبة عبيطة وكثيرة الحديث والأكل لا تعير التنمر أي انتباه في غير لحظته، متصالحة مع نفسها وشكلها، عكست صوت الخير أحيانا وصوت الحكمة أحيانا أُخرى وصوت الغباء والانتقام قليلا، وتلعب هذا الدور الممثلة يارا مصطفى.

نوف: شخصية غامضة مختلفة متمردة هادئة، تعيش في عالمها الموسيقي غالبا، وغالبا ما كانت صوت الطيبة الذي يجبرك على التعاطف مع شخصيتها وحبها في آن، وتلعب هذا الدور الممثلة المبدعة ركين سعد.

هل عالج مسلسل مدرسة الروابي المشكلة بشكل مستقيم أم خلق مشكلات أُخرى؟

ذكرتُ سابقا أن الدراما تعالج المشكلات في ضوء فني إبداعي، وهذا يجعل صُناعها أمام تحدٍ كبير في إعادة تدوير الواقع، دون واقعية كاملة، الأمر الذي يُوقعهم في مشكلات جديدة مقابل معالجة مشكلة معينة، وأهم مشكلة في المسلسل هي اللغة.. صحيحٌ أن الإنجليزية غزت ثقافتنا ولغتنا، وجعلت الكثير يتغنى بالدمج بين اللغتين أثناء الحديث، فكيف تكون هذه مشكلة ؟
حسنا، جميع المشاهد في المسلسل تقريبا كان فيها هذا الخلط في الحديث بين العربية والإنجليزية، ما جعل لزاما على المشاهد أن يشعر بالنقص في هذه الناحية ويتوهم أن خلو حديثه من لغة أجنبية هو تخلف وغير مواكب لهذا (الانفتاح الثقافي)، رغم أن هذا السلوك شنيع وظالم بحق اللغة وبحق ثقافتنا وبحق فخرنا بها خصوصا وأن المسلسل مترجم لأكثر من32 لغة.

لو أرادت المخرجة تيما الشوملي أن تنبه إلى ضرورة اللغة الأجنبية لكل فرد أمام هذا الفضاء التكنولوجي الواسع من المعرفة والثقافات المختلفة، لافتعلت موقفا أو أكثر يُلزم التحدث بها -اللغة الأجنبية- دون خلط بين اللغتين ما يجعل المشاهد يشعر بأهمية وجود لغة أجنبية إلى جانب لغته الأم وبالتالي نعزز قيمة ولا نفتعل مشكلة.

ختاما أرى أن مسلسل مدرسة الروابي الثانوية للبنات في جوانب كثيرة مبدع ومتقن تصويرا وإخراجا وتمثيلا ينذر بولادة جيل قادر على حمل الصناعة الدرامية والسينمائية إلى مستويات فنية عالية ناقدة مؤثرة وفي نفس الوقت مبدعة. المسلسل عُرض على منصة نتفليكس في 12 أغسطس 2021، وتُرجم إلى أكثر من 32 لغة في 190 دولة مختلفة حول العالم، وهو من إنتاج شركة (فيلمزيون) الأردنية.

قد يعجبك ايضا
وسوم: , , , , , , , ,

المزيد من المقالات المشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Fill out this field
Fill out this field
الرجاء إدخال عنوان بريد إلكتروني صالح.
You need to agree with the terms to proceed

القائمة