نصوص

لوحة من سراب..قصة حروفها من نار تشعر صهدها من عاشت التجربة.. وما أكثرهن

لوحة من سراب

بقلم: صبحة بغورة

قصة حروفها من نار تشعر صهدها من عاشت التجربة.. وما أكثرهن

في لحظات بلا معالم تركت صداها عند كل من عرف حكايتها، حارت لمن ستبوح بما يذبح قلبها ويجلد مشاعرها بما تحمله نفسها من بصمة عار، جلست بغرفتها وقد تهدمت الصور بالجدار التي علقت عليها أحلامها الصغيرة والبريئة، تزلزلت الأرض من تحتها وفوقها واهتز كل شيء أمامها حتى نظرتها للأشياء اختلفت، شعور غريب فما عاشته كان في قمة الغرابة، ليس فيلماً وليست قصة خرافية أو رواية خيالية بل واقعها الذي لم تتصوره يوماً أن يحدث لها هي بالذات.. حكاية بعيدة عن كل الاحتمالات، عرفت الحب بكل معانيه الحلوة آمنت بكلمات الشاعر طاغور الحب بلا فضيلة زهرة بلا ماء إنه عرش عالمها الصغير ولد في داخلها وجدته دون عناء بحث، أخفته عن العيون، تخوفت منه عاشت تتوارى خلف الشجون كمن تخفي مولودها البكر بداخلها، عاشته في أحلى مراحلها، عاشرت الأشواق في أجمل أيامها، تصارعت بداخلها كل أنواع المشاعر اجتاحها حب عنيف قوي شغل عالمها، اقتحمها، اقتادها إلى أسمى الأحاسيس، كل شيء تتأمله يدعوها إلى الحب، البحر يناجي القمر، الشمس تسطع لتسحر وتذيب كل ألام الليل.. أشعة تغازل أزهار القلب الشذية، مشاعر تفيض سحراً ..وبين عشية وضحاها تفقد “نجوى” حبها الكبير عندما يغادر ياسين الوطن، وطن يعيش على كف عفريت وجمره لا يخمد، ناره تلتهب من حين لآخر، جثث هامدة، أمهات وزوجات ثكلى، كل شيء في الوطن يحمل رائحة الدم والدخان، ابتعد إلى بلاد الشقراوات إلى حيث كل شيء بخير، وهو يرى أنه غير مجبر على البقاء في وطن دون مستقبل وفي بلد آيل للزوال، ترك وراءه إنسانة مجبرة على البقاء لأنها أنثى الطرق أمامها كلها مسدودة ومكتوب عليها أن تعيش حتى نهاية عمرها في هذا الجو المشحون بالألم والمعاناة تمنت لو كانت معه وأن تستعيد حريتها، لقد غابت الشمس بدفئها وحل الظلام وانعدمت الرؤية، تلبدت سماؤها، رعدت وأبرقت برحيله رددت في نفسها “سيشعر بدوني بمرارة الغربة عندها يعرف قيمتي و قيمة الوطن، لقد بعثر أوراقي في الهواء ولم يحافظ على ما كتبته من سطورها النقية، لقد كتبتها في غيبته بوفاء لكن الآن جفت أقلامها وتوارت سطورها لأنه ببساطة لم يقدر ما كتبته، لقد صمت بلبلها الذي كان يطرب له الجميع، سهرت وفكرت و اشتاقت إليه، تمنت أن يشعر بها كما شعرت به، أليس الحب أسمى وأرقى وهو من يصنع إنسانيتنا، أليس هو الذي تملكها واحتواها في كل ذرة من جسدها فسارت معه في كل الاتجاهات، قبل سفره قابلته لتسأله ألم يحن الوقت ليخطبها من أهلها، وعدها أنه سيراها في الغد وبأخبار تسرها، مر يوم، يومان وعشرة، قتلها الشوق وعركتها الأيام وليس لها أي مجال لمبارزة هذا الحنين القاتل هذا الشوق الفاتن العذب الذي تمارس من خلاله انتظاراتها باستمرار حتى صارت قرينة الانتظار، وبعد أعوام عرفت أنه مثل السراب لم يترك وراءه أي خيط اتصال وإذا كان كل شيء بالشيء يذكر فبأي شيء تذكره بحبه وقد اختفى من الوطن الذي احتواهما، اليوم الوطن يعيش محنته، هرب ولم يبق منها إلا عينيها الجميلتين وذلك الشوق الذي تخفيه بين رموشها ولم تقدر على مقاومته، فجأة تنهمر الكلمات وتذهب أدراج الرياح، عتاب على الغياب وما الفائدة لقد انقضى الأمر و انتهى، مرت السنون وتزوجت أخواتها، هي بقيت تعيش على ذكرى لا جدوى منها، عادت من عملها كالعادة دعتها والدتها للدخول معها إلى الصالة، وضعت حقيبة يدها جانبا ودخلت، وجدته أمامها شابا أنيقا وسيما بجانب جارهم الأستاذ حسن وزوجته، منذ دخولها وهي تحت مجهر عيناه لا تفارقها، انتهت الزيارة كانت قصيرة المدة ولكن جميلة حافلة بالأحاديث الودية الطيبة، لم تسأل عن سبب الزيارة دخلت غرفتها وتبعها والدها أجلسها بقربه وأخبرها بهدوء أنهم جاؤوا لخطبتها لذلك الشاب ثم استرسل في ذكر محاسنه إنه شاب تسر له العيون تقي يقيم صلاته بالمساجد ومتخلق و.. وبينما هو يعدد أوصافه الحميدة شردت هي بذهنها بعيداً، العمر يمضي وتمضي معه ملامح الشباب والجمال، هل آن الأوان أن يحق لها أن تعيش الحب ما بقي لها من العمر، انتبهت على سؤاله يحيل الأمر كله إليها، بماذا يجيبهم، نظرت إليه مستسلمة غالبت دموعها وهي تعلن قبولها بما اختاروه لها، انحدرت دمعتان ليس لهما مكان على خديها مسحتها وأعلنت أن تعيش حياتها، لكل شيء حدود لقد انتهى دوره وأسدل الستار على بطولته الأولى والأخيرة التي ألفتها بعقلها وأخرجتها بقلبها و أنتجتها بعواطفها ومثلتها بكل مشاعرها، كيف لها اختبار نجاحها أو معرفة فشلها، لقد ملت العرض اليومي الرتيب لا تريد أن تفقد في لحظة حمق الحياة مع الإنسان الناضج والصادق، ابتسمت ابتسامة مريحة لقد اهتدت نفسها إلى أن الحياة على امتدادها هي إجابات صريحة ونحن دائماً نبحث عن الأسئلة الصحيحة، إن حياتنا هي الإجابة، فقط علينا أن نحدد السؤال.

أتم الشاب كل الإجراءات وكان دوماً عند حسن ظنها في كل كبيرة و صغيرة، أنه ليس من بلدتها، لا يهم الأمر سيان بالنسبة لها المهم يقاسمها لغتها ودينها، دخلت غرفتها وكأنها تراها بمنظار آخر، أطالت الوقوف هذه المرة أمام المرآة تتفقد ملامح وجهها كأنها ترى نفسها لأول مرة تحسسته كمن تتساءل إن كانت ما تزال جميلة وتحمل تلك الجاذبية والابتسامة الحالمة التي تضيء شفاهها، هل ما تزال ملامحها الطفولية.. تحدث نفسها وقد غمرتها سعادة حقيقية لقد قلبت صفحة الماضي لتعيش مرحلة جديدة مع زوجها يوسف، لقد تلونت بألوان السحر والخيال والجمال كانت تعكس ملامحها الداخلية أنها تعيش لحظة بكل سنين العمر، اليوم ينبض قلبها فقد شعرت بأنوثتها، لقد غيرت حياتها صارت عروساً له، أعد هو لها بيتاً راقياً بوسط المدينة وجهزه بكل الأثاث الرفيع المستورد، واقتنى سيارة فخمة… لكن ما كان يحيرها هو ما نوع العمل الذي يقوم به ليتمكن من العيش في هذا المستوى الراقي، في كل مرة كان يردد أنها الأعمال الحرة.. امتدت حيرتها إلى بقاء إحدى غرف المنزل مقفلة دائما وبإحكام، فشلت في معرفة سبب ذلك منه، عاشت معه في البيت الكبير وجعلته مملكتها، أغدق عليها بالحب والحنان واسمعها أحلى آيات الغرام واستطابت نفسها عذوبة كلماته ترددها منتشية طوال يومها ولم تر منه سوى ذلك الشخص الذي يخاف ربه ويحترم نفسه، أنجبت له ثلاثة أطفال، علمهم الصلاة ثم الصوم، كانت تخاف عليه مما قد يحمله الليل في مدينتها خاصة وأنه اعتاد العودة من المسجد للمنزل في ساعة متأخرة، دفعها فضولها ذات يوم إلى محادثته في أمر الأشخاص الذين يترددون على المنزل وفي كل مرة ترى وجوها جديدة غير الوجوه الأخرى يجتمعون في تلك الغرفة المغلقة، لم يكن يعير الأمر أهمية وبمرور الأيام أصبحت هي الأخرى لا تعير الأمر اهتماماً مادام يعاملها وأطفالها معاملة لا مثيل لها، أحبت أعيادها وأفراحها معه، انشغالاتها صارت أكثر واهتماماتها أكبر، وفي ليلة بينما كان زوجها برفقة أصدقائه في الغرفة الخاصة، شعرت أن ابنتها لبنى تعاني من إسهال شديد، توجهت بها إلى الحمام دون أن تشعل المصباح حتى لا تسبب أي إزعاج لزوجها، وبينما هي كذلك سمعت همهمة غريبة صادرة عن الغرفة حيث زوجها دفعها فضول الزوجة المحبة إلى فتح شباك الحمام فجاءها الصوت أوضح عبر الممر الضيق الذي يفصل الغرفة عن الحمام، حاولت أن تفهم ما يجري فلم تستطع حتى فك رموز ما يتحدثون به، كانت لغة غريبة عنها، كتمت الأمر إلى صباح اليوم التالي، أبلغت أهلها بما سمعته وأخبرتهم بما كان وأكدت لهم أن أمراً غريباً يحدث في بيتها لم تجد له تفسيراً لذلك فهي تخاف على زوجها ونفسها وعلى أولادها، هون والدها من روعها وأكد لها أن زوجها رجل صالح ولم ير أحد العيب منه أبداً،ولكن تكرر نفس المشهد وذات الموقف وبنفس الأصوات والهمهمات الغامضة، قامت هذه المرة بالاتصال بأخيها الأكبر وفي الموعد أخذته إلى مصدر الصوت، اشرأب خلسة عبر النافذة فصعق لما رآه موقف لم يكن في البال ولا في الحسبان استدار لها وقد أصفر لونه وهرب الدم من عروقه ثم أخبرها بأن زوجها من ديانة يهودية وهو يقيم طقوسه باللغة العبرية رفقة آخرين بهذه الغرفة، رآهم بلباسهم الخاص، كادت أن تصرخ وتقع من الصدم ، أسكتها وأعادها إلى غرفتها وطلب منها الهدوء التام، خرج مسرعاً يبحث عن أقرب مركز للشرطة، أما نجوى فقبعت في مكانها منكمشة في ذاتها بعمق الحزن الذي اجتاحها، لقد التقت به في زحمة العمر ونسجت أجمل حكاية حب بكل طقوسها وتفاصيلها فتحت له مدن أحلامها فأسكنها معه قصر خيالي سرعان ما انهار على رأسها، تريد أن تصرخ ، لقد تاه عنها البر، لا عزاء لحالها أنه الجحيم، زلزال وبركان مدمر يأخذ الحاضر والآتي معه، تشعر أنها تتنفس آخر أنفاسها وترتشف من الدنيا رشفات هواء معدودة مصيرها الفناء وكأنها تتجرع سموم الآخرة، كيف سينظر الناس إلى أبنائها وعيونهم لا ترحم.. انقلبت الدنيا رأساً على عقب وما عادت ترى أمامها إلا دخان الاحتراق بما أصابها، جسدها صار مجرد أطلال ما أصبح بمقدورها الحراك وكأنها تحت تلال من الأنقاض، تحطمت الأمنيات والأحلام والحياة السعيدة بل المزيفة التي أوهمتها إنها ذات يوم ملكت الكون الحياة بالنسبة لها هذه المرة انتهت في لحظة خاطفة بدون مقدمات ولا بدايات، كسر زوجها عليها وحدتها، دفعته علامات الانزعاج التي تعلو وجهها إلى السؤال عن السبب وهو يتأمل وجهها جيداً يحاول أن يقرأ ما تخفيه عيونها، لم تقنعه كثيراً إجاباتها التي حملتها أنفاسها المتقطعة الصادرة عن نفس مسكونة بنار الألم ، لم يستوعب أن تكون بعض مضايقات الأطفال أو التعب أو الأحداث التي يمر بها الوطن هي السبب فيما يراه من شرر ينبعث من نظرات عيونها، باتت ليلتها في فراشها إلى جانبه تتقلب والنار تأكلها طولاً وعرضاً وبدا هو كمن لم يأبه لأمرها كثيراً، وكان الصباح الباكر من اليوم التالي بارداً ليس ككل صباح عرفته في حياتها معه، خفتت حرارة المشاعر، تجمدت أحاسيسهما عند نقطة الصفر وتوقف كلاهما عن تبادل تسابيح المحبين الصباحية، خرج بخطوات أسرع من ذي قبل دون أن يتفوه بكلمة واحدة ومن حينها لم يعد مساء ثم اختفى تماما.. عن الحي ، عن الوطن وقبل كل شيء عن حياتها، لم يهنأ والدها حتى سعى إلى تطليقها منه، وما أعاد إليها بعض الطمأنينة تأكيد علماء الدين أن المذهب اليهودي يمنح الأطفال جنسية وديانة الأم وليس الأب. تذكرته يوماً يخيرها بأي قلب تعيش بين أمرين فنهضت وهي تصيح لست الحبيبة الأميرة ولست بالملكة العاشقة بل أعيش بقلب الأم فقط.

 

 

 

 

 

 

 

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى