ثقافة

متى يصل العائدون قراءة في رواية( عادوا.. ولم يعودوا بعد): الدكتور زاهر حنني

متى يصل العائدون

قراءة نقدية في رواية (عادوا.. ولم يعودوا بعد) لموسى سمحان الشيخ

بقلم: د. زاهر محمد حنني

رئيس قسم اللغة العربية / جامعة القدس المفتوحة / فلسطين

رواية (عادوا ولم يعودوا بعد) للكاتب موسى سمحان الشيخ، الصادرة عن دار مرسال ناشرون وموزعون، عمان، 2021، جاءت في مائتين وعشرين صفحة من القطع المتوسط. تدعوك لقراءتها غير مرة، وتشدك منذ رصاصتها الأولى حتى آخر شبل في الثورة. والطريق فيها صعب وشاق، وما زال طويلا، والقصة قضية، وليست تحلية كلامية، والأبطال من نبض الواقع، والأحداث رهن بمن يصنعها.

1- العتبات النصية:
لوحة الغلاف:
أول ما يلفت الانتباه في غلاف الرواية، رواية الغلاف، وهو بحق رواية، وقد تم تصميمه بعناية فنان مبدع، وخصوصا تلك الإضافات الفنية على اللوحة الأصلية التي خاطبت روح الرواية، ويمكن قراءته سيميائيا بوصفه نصاً، واللوحة نص ينطق بلغته الخاصة، فيعبر عما تنبض به الرواية، وقد يأخذك بعيدا، وقد يجعلك في خضم الأحداث، تحاورها أو تستنطقها، تظهر على الغلاف صورة لوجهين خزفيين مزججين، فيهما ملامح التحدي والإصرار؛ فنقرأ في الوجه الأول ملامح رجل يتصف بالعناد والإصرار والتحدي، بعيون غائرة أثقلها العناد والتحدي، فيه وميض خافت أثقلته الهموم، ولكنه ما زال يتكئ على إصراره لمواصلة مشواره الذي صمم عليه منذ البداية. وفي الوجه الثاني نقرأ ملامح وجه امرأة أكثر إضاءة وتبرز فيها ألوان العيون الناصعة، والشفتين الورديتين، لتتكامل أركان المعنى في ذهن المتلقي الذي يرى ألوانا من الإصرار والتحدي، على الرغم من ثقل الهموم. والوجهان وسط اللون الأسود دالان من نوع خاص، اتحدا ليشيرا إلى ولادة جديدة من أعماق مظلمة، وكأنهما شمس تعود إلى الإشراق بلغة خاصة وطريقة خاصة وهيئة مخصوصة، تنتزع حقها في الوجود برغم الظلمة المحيطة بها.

العنوان:
(عادوا.. ولم يعودوا بعد) هذا العنوان الذي ظهر على غلاف الرواية بلونين متمايزين؛ عادوا.. بلون أبيض ناصع، واللون الأبيض دال سيميائي وهو نقيض الأسود الذي يغطي لوحة الغلاف، ليشكل معها دالا متمايزا، يندغم مع لون عيون وجه الفتاة على الغلاف، ثم يتحدان بلون واحد يؤكد العلاقة بين (عادوا) في العنوان و(الإصرار) في لون عيون الفتاة، وهما اللونان الوحيدان المتجانسان كليا على صفحة غلاف الرواية، أما بقية العنوان الذي كان يمكن أن يؤديه القول (ولما يعودوا)؛ {إذ (لما) تفيد نفي وقوع الفعل إلى زمن المتكلم، وهذا يؤدي الغرض الذي أراده الكاتب.} وقد جاء بلون رمادي أقل حدة ليكون أقل دهشة، وأقل فاعلية، إذ اللون الرمادي هو اللون الذي يتوسط الأبيض والأسود من حيث الفاعلية في الـتأثير، ومن حيث ماهيته، وكأنه حالة استقرار تتجاذبها حالتان تمثلهما ماهية الأبيض والأسود (وهما نقيضان)، ونقرأ في الفراغ بين عادوا.. ولم يعودوا بعد، مهلة نفسية وموضوعية، كأنها استراحة محارب، أو كأنها تكرس حالتين متناقضتين، وقوله عادوا فيه إقرار بالعودة الحتمية، من حيث كونه جاء بصيغة الماضي، والفعل الماضي قد حصل وانتهى، ليلتقي مع نقيضه ولم يعودوا بعد، فتتمثل حالة التناقض بأقصى تجلياتها في العنوان. ليقف القارئ مستثارا متسائلا: هل عادوا؟ أم أنهم لما يعودوا؟ وهذه الاستثارة تدعوه إلى الإقبال على قراءة الرواية بنهم المستفَز الذي يروم الوصول إلى المعرفة. كذلك فإن عادوا، تؤدي معنى حتمية صيرورة الفعل، أما نقيضه ولم يعودوا بعد فيؤدي معنى التشكيك، وربما لهذا كان التعبير بلم يعودوا بعد، بدلا من ولما يعودوا.

الإهداء:
(إلى الذين سيضيئون النفق المظلم..)، هل يريد الكاتب أن يؤشر باللون الأسود على غلاف الرواية إلى النفق المظلم، أم أن هذا وذاك يؤشران معا إلى الحالة العربية التي لا يمكن وصفها بأقل من ذلك! و(إلى أحفادي إلى زهرات وأشبال فلسطين.. وهم يزحفون إليها) الإهداء إلى الأحفاد، يؤكد الرؤية المستقبلية، فهل تقدم الرواية رؤية مستقبلية، هل حمولتها الثقافية والنضالية تؤدي إلى مستقبل أفضل، المستقبل يوضح ملامحه قوله (وهم يزحفون إليها) نحن زحفنا إلى فلسطين والذين قبلنا زحفوا، فهل سيظل الزحف مستمرا إلى أن يصل الأحفاد، أم أنهم حلقة في سلسلة الزاحفين؟ ومتى يكون آخر الزحف. لعل الرواية تجيب عن هذه الأسئلة، دعوة أخرى بطريقة أخرى لقراءة الرواية.

عتبة المدخل:
يرسم الكاتب في مدخل الرواية، وهو قسمها الأول (وقد قسمها إلى ثلاثة وعشرين قسما) مشهدا غريبا، هو مكالمة هاتفية بين بيروت والقدس، والغرابة في الأمر أن المكالمات الهاتفية المباشرة لم تكن موجودة بين القدس وبيروت، والمكالمات غير المباشرة كانت تراقب مراقبة تامة، لذا فإنها تحمل معنى أبعد من معنى المكالمة الهاتفية الاعتيادية، إنها شيفرا محمولة على الاعتقاد بضرورة وجود خط يربط بين المكانين، فاستعار الكاتب الخط الهاتفي ليدلل على بعد أزلي هو العلاقة التي لا يمكن لأحد أن يقطعها بين المكانين. حملت المكالمة خبرا من المرسل (ردينة) إلى المتلقي (ضرار) بأن الاحتلال يمارس تغوله في قرى شمال غربي القدس (السبعة) واعتداءه على أهلها، ولم تكتمل المكالمة، وانقطع الخط، (الرواية: ص7) ليتحول القارئ منذ البداية إلى القلق الذي يدفعه إلى معرفة المزيد، وفي الوقت نفسه يبدأ قلق آخر من مكتب الأمن الذي يعمل فيه ضرار بتلقيه إشارة عبر جهاز اللاسلكي، وهي إشارة متقطعة أيضا، لم تصله رسالتها،… وضعنا الكاتب منذ بداية الرواية في جو مشحون بالتوتر والقلق، ربما تمثله الذبابة السوداء التي طارت عن أرنبة أنفه لتحط على خارطة فلسطين المعلقة في مكتبه(الرواية: ص9).

2- الحبكة المفككة:
ترى هل أراد الكاتب أن يضعنا أمام معضلة أزلية تتمثل في صعوبة تحقيق الرغبات الإنسانية، أم أراد أن يربط بين عاصمتين عربيتين تعيشان مأساة واحدة، أم أراد أن يقول إن فلسطين المحتلة تحن إلى أبنائها الذين يقاتلون منذ عقود طويلة من أجل العودة إليها، وهي مسقط رأسهم، وإليها يشدهم الانتماء والحنين، أم أراد أن يبني معمارا من هذا كله؟ عمد الكاتب إلى تفكيك حبكته وتوزيعها على مساحات زمنية ومكانية يتقافز فيها بحرية، الأمر الذي لم يتحقق له على أرض الواقع؛ فَتَنَقُلُ الفلسطيني بين العواصم العربية مرتبط بالمعتقلات التي مثلها في الرواية سجن جدة وغيره من المعتقلات العربية(الرواية: ص25 وما بعدها)، والتنقل بي فلسطين ولبنان محفوف بمخاطر الموت التي جسدها وجود الاحتلال، ولقاء الحبيبين محكوم عليه مسبقا بالظروف التي تحيط بالفلسطيني من كل جانب، وحتى التنقل بين المدن اللبنانية محفوف بالمخاطر التي تمثلها الصراعات بين الإخوة الأعداء، وبين الإخوة والأعداء. لهذا كله وجدت أن تفكيك الحبكة مقصود في ذاته، كأن الكاتب أراد أن يقول إن القضية الفلسطينية حبكتها مفككة، على الرغم من أنها واضحة المعالم. ومما يعزز الفكرة أكثر حديثه في كثير من المواضع عن الحالة العربية المفككة، وانتقاده للأنظمة العربية التي لم تقم بدورها المنوط بها وواجبها تجاه فلسطين المحتلة.

3- الموضوع:
موضوع الرواية محكوم بالحدث الموزع بين بطولة فردية (ضرار وردينة) وبطولة جماعية (الثورة الفلسطينية). ضرار العربي، فدائي فلسطيني مسلم يعيش في معسكرات الثورة الفلسطينية في بيروت وهو موزع بين بيروت التي فرض عليه أن يكون فيها، وبين فلسطين وقدسها التي يقاتل من أجل حقه فيها، وحبه فيها، والعودة إليها، ويعاين خلال معايشته تلك التصرفات السلبية التي يمارسها البعض، والأفعال البطولية التي يمثلها معظم المقاتلين، ويظل هو محور أحداث الرواية ومتصدرها الأول. ويربط بين القدس بما تمثله من قداسة ومقدسات ومقدسيين، ولهفته الدائمة للعودة إليها، بعدما أبعده الاحتلال عنها عن طريق وادي عربة، فالتحق بصفوف الثورة الفلسطينية وعاين مراحلها خلال تلك السنوات (سبعينيات القرن الماضي- إلى بداية الثمانينيات) مع الإشارة إلى أنه يكتب الرواية بعد ذلك بسنوات طويلة، إذ يشير إلى أحداث لاحقة كثيرة. كإشارته إلى كونداليزا رايس والفوضى الخلاقة، وإشارته إلى أن يهود باراك المسؤول عن اغتيال القادة الثلاث في فردان، صار فيما بعد رئيسا لوزراء (دولة الاحتلال). أما ردينة فهي المسيحية المناضلة ابنة القسيس التي تعشق ضرار والقدس وفلسطين، وتناضل من أجلها، وهي جزء من خلية مناضلة تعمل في فلسطين، وتطاردها مخابرات العدو، تتواصل مع ضرار حبيبها وقائدها في التنظيم بكل وسيلة متاحة، أو تبتدع هي الوسيلة، وتنقل له أخبار الخلايا المناضلة في الداخل. فتمثل حلقة وصل مهمة بين المناضلين في فلسطين المحتلة والمناضلين في الثورة خارجها، والكاتب يكتب عن أماكن بعينها، أماكن يعرفها جيدا، سواء في رام الله والقدس، أو في بيروت أو في دمشق وغيرها. ويربط بين البطولة الفردية والجماعية بوحدة الهدف، وبفكرة مهمة وهي الإصرار على مواصلة النضال مهما كلف الثمن، البندقية لم تسقط.

4- الخاتمة:
كما بدأت الرواية انتهت، ليس من السهل أن نقول هذا الكلام، ولكنه صحيح من وجهين؛ الأول: بدأت الرواية بلقاء الحبيبين (ضرار وردينة) ثم افتراقهما، وانتهت بلقائهما في دمشق ثم افتراقهما. الثاني: بدأت الرواية بوصف الحالة النضالية المرتبطة ارتباطا شديدا بإصرار المناضلين على نيل حقوقهم مهما كلف الأمر، وانتهت بإعلان ذلك صراحة في قول الكاتب: “امتلكت ردينة شجاعة لا تدري من أين واتتها سنكمل حلمنا…”(الرواية: ص220) قبل أن يغلق الستار على مضي ردينة في دورة تدريبية في الجزائر لتعود مقاتلة من نوع جديد، وعودة ضرار إلى قاعدته العسكرية التي تعده للنزول في دورية إلى فلسطين.
الرواية انتهت، لكن قصتها لم تنته، بل انتقلت إلى مرحلة جديدة، فهل ننتظر من الكاتب جزءا ثانيا للرواية؟ أم ننتظر أن تحل القضية الفلسطينية حلا عادلا يضمن عودة الحقوق إلى أصحابها، وعودة كل الفلسطينيين المهجرين إلى بلادهم، وعودة ضرار إلى حبيبته ردينة؟

5- اللغة:
مما يلفت الانتباه هذه اللغة الخصبة التي كتبت بها الرواية، وهذه الثقافة الواسعة التي امتلكها الكاتب، ومن ذلك تعبيره عن حتمية العودة حين أشار إلى خارطة فلسطين المعلقة بخيط أسوط على حائط المكتب بقوله: “إنها لا إراديا تطالب بحق ما زال بعيدا حتى يصبح الخيط الأسود أبيضا”(الرواية: ص8) وهو تعبير فيه تناص على نحو خاص مع قوله تعالى:” وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ”(البقرة: 187)، وتناص الكاتب أيضا مع الأمثال الشعبية، كما في استشهاده بالمثل الشعبي الدارج (أول الرقص حنجلة)(الرواية: ص10)، أو في القول الشائع (والله عشنا وشفنا)(الرواية: ص10) وقد عمد الكاتب إلى استعمال اللهجة المحكية في كثير من المواضع لوجود مواقف يجب أن تصل فكرتها كما هي في الواقع، والعامية الدارجة تعبر عن فكرة قد لا تصل إلى المتلقي إلا باللهجة المحكية، فيكون لها مذاق خاص، من ذلك ما جاء على لسان الحاج رشيد الصفدي:” البلاد ما بترجع غير بالطخ”(الرواية: ص10) وعندما يتذكر كلام أمه في كثير من المواضع، كما في قولها:” الدار قفرة والمزار بعيد”(الرواية: ص14)، والحقيقة أن هذه الاستعمالات أعطت للرواية مذاقا خاصا، يحسب للكاتب.

5- مآخذ على الرواية:
يمكن تسجيل ملاحظات على الرواية ولكنها ملاحظات لا تقلل من القيمة الفنية للرواية:
تقتصر الرواية -في قصة تحمل قضية كبرى- على شخصيتين مركزيتين رئيستين، وكل الشخصيات الأخرى شخصيات ثانوية، لم يكن لها فاعلية في أحداث الرواية، وهذه القضية لا تمثلها البطولة الفردية، وإن كانت مهمة في سياقها العام، وحتى عندما ذكر الكاتب بعض الأحداث (اشتباكات) في البيرة مثلا، نسبها إلى مجهول، الأمر الذي قد يوحي بأن من قتلوا صاحب الدكان الذي رافقه قد يكونوا فلسطينيين.
التنقل السريع بين الأزمنة، والأمكنة، خلق حالة من الإرباك، فيظن القارئ أحيانا أن الكاتب يستند إلى تيار الوعي، في حضوره وغيبته، ويكتشف بعد ذلك أن البطل تحدث عن مرحلة سابقة، قبل أن يبعده الاحتلال عن أرضه، فكان الربط بين الماضي والحاضر (في زمن الرواية) مربكا.
هذه الملاحظات قد تجد لها ما يسوغها.
أما ما يشكل مأخذا كبيرا على الرواية ولا يمكن إيجاد مسوغ له، فهو تلك الأخطاء التي وردت في معظم صفحاتها، وهي أخطاء طباعية ولغوية كثيرة، كان من الممكن تجاوزها بطرق كثيرة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى