لا توجد تعليقات

نص كافرٌ بالحياة!

نص كافرٌ بالحياة!

أنس الغوري/ سوريا

كيف أتكلم وهذه الحياة الحديدية تدسُّ في فمي فضلاتها، بُرادتها؟
كل محاولة للحديث تخرج الكلمات هستيريّة ونازفة بالضرورة، تخرج مُقطعة تتلوى كأفعى، كل جزء منها يتابع سَرَيانه والتوائه بعبثٍ وانفصال مُنفرد.
وصلت لمآل يجعل خراب شرقنا لا يأسف على رحيلي. الحوادث الشيطانية المحمومة، المتلاحقة بسعار تنغرز برأسي وجسدي كضربات سكين تشرخ حد التشويه!
حاولت مرارًا أن أطوي نفسي داخل ذاتي السرية محاولًا الاحتماء، لكن هذه الذات طُحنت أخيرًا من قِبل ضربات مطارق الحديد وجرت معها البقايا لمجمع النفايات لتعيد تدويرها، تصنع منها ربما سلة مهملات في مكتب ابنها البار صاحب رأس المال الآلي!
تركتني في فضاءات العراء، أتسول فتات رغيف حياة مؤقتة، معطوبة. أُسقِط ماء الحياء عند قدميّ صاحب حاجتي، أتملق كل خبيث مكتنز. جعلتني لا أحد، لا شيء، وعبثًا أعي المآل. يائسٌ من لهاث خلف عيش يكتنفه العار، تائه في حضارة فولاذية مترهلة.

جعلتني أُسلم رغبة التمني لأكون حيوان أليف عند أحد الأصدقاء الافتراضيين في هذا الفضاء المُترع بالزيف حد التجشؤ، حيوان يحظى بوجبات خاصة -قيمتها تجعلني أقتات عليها أيام طوال أنا وعائلتي- بدل وجبتين دائمتين تكسر الأسنان المنخورة، يقطن بمنزل دافئ نظيف بدل بيت صغير بالإيجار مُشبعة جدرانه بالرطوبة والعفونة والرياح الزمهريرية التي تدخله من النوافذ المكسورة المحشورة بالملابس الرثة وورق الجرائد التي تمجِّد القائد ترقص به رقصة الموت المؤجل، ينعم بدفئ الأحضان!

أكون حوض بلاستيكي فيه زهرة يتيمة لا تسكن مع جارتها في ذات الحوض، بينما أنا سأشاركها الحوض والطعام والدفء، زهرة تُعنى بالشمس من خلف زجاج نظيف وهواء نقي على شرفة في أحد أبنية الأحلام.
درع الحب، هنا، هش وتهشم سريعًا، ولا أملك ترس (أخيل)…!
الألم بضرباته العمياء يُقحم غربانه في صدري، وهذه الغربان تنعق وتفضحني:

بطون مقرقرة، جوعٌ مضل، فزع، هلع، خطيئة، أثم، موات، عماء، طرد، عراء، عوز مرذول، تمائم فاسدة، رقية للشر، دخان، رماد..
كل يوم ينولد بعد مخاض مجنون يزيد من ركلي خارج إطار الحياة، الإطار الذي اقتلع أظافري بعد تشبثي العنيف به، تركلني حيث لا وجود لأي حياة أنسية، وتجعل رغبة التمرد والرفض التدميرية تركل الضلوع.

ما أكتمه تفضحه ملامحي الجنائزية!
إن لم يتبدل هذا الوجود؛ سأصنع من عظامي الهشة زورق، وأرتِّق من جلدي المشروخ شراعًا وأسحب خيوط دمي لأرحلَ وأبحث عن النهاية.

من يشتري كائنًا مشوهًا، كُل أمانيه اُختزلت بغفوة المنتحر؟!

قد يعجبك ايضا

المزيد من المقالات المشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Fill out this field
Fill out this field
الرجاء إدخال عنوان بريد إلكتروني صالح.
You need to agree with the terms to proceed

القائمة