ثقافة

نعمة حسن والموت الذي لم يكن: محمد نصّار

نعمة حسن والموت الذي لم يكن

بقلم: محمد نصّار/ أديب فلسطيني

لم يكن موتا هو عنوان رواية للكاتبة/ نعمة حسن، صدرت حديثا عن مكتبة سمير منصور للطباعة والنشر، تقع في نحو من ثلاثمائة صفحة من القطع المتوسط وتعد واحدة من أبرز الأعمال الأدبية الجديدة، في تعرضها لهموم المرأة وقضاياها ، داخل مجتمعاتنا العربية بشكل عام والفلسطيني بشكل خاص والغوص في ثناياها بجرأة عالية واقتدار واعي، لطبيعة القضايا المطروحة، واضعة بين يدي القارئ نموذجا للأدب النسوي في أسمى تجلياته، فإن كان الأدب النسوي في واحدة من تعريفاته، هو الأدب الذي يعبر عن قضايا المرأة، بغض النظر عن كاتبه ذكرا كان أم أنثى، فإنه هنا يجمع بين كونه يتحدث عن قضايا المرأة، إضافة إلى كون الكاتبة أنثى.

في رواية” لم يكن موتا” تتحدث الكاتبة عن أسرة فقيرة، تعيش في مخيم رفح وتتكون من أب وأم وشقيقين استشهد أحدهما وبقي الآخر مع ثلاث أخوات، إحداهن بطلة الرواية “”مريم”، التي تدور حولها الأحداث، راسمة بلغة سردية جميلة صورة معبرة لواقع الحياة، الذي تعيشه تلك الأسرة، حيث الأب المنزوي خلف ضعفه ونزواته” أبي بمزاجيته غير المكترثة، كان يرى الحياة لعبة حظ، ترمي النرد بيمينك ويسارك، تتجرع كأس الثمالة كاملا، فلا تعرف نتيجة اللعبة وتبقى الخسارات شيئا منسيا”ص9 والأم” علياء”، التي تسعى جاهدة لملء الفراغ الذي تركه في حياتها، ومن ثم سعيها الجاد والشاق، للنهوض بمسؤولية أسرة لم يعد لها معيل سواها، فتلجأ إلى أسواقنا في الداخل المحتل، تحمل إليها البضائع وتبيعها هناك، مصطحبة معها مريم في أغلب الجولات وهي التي لم تصل سن البلوغ بعد، لتعيش معها رحلة العناء والشقاء وشيء من الخوف أحيانا “فجأة تحلق حولنا مجموعة من المستوطنين، بدأوا بالسب والهتاف، ضمتني أمي إليها بقوة وخوف” ص73 ، ثم تعودان لوضع ما تم جمعه من نقود في يد ذلك الأب المتسلط برضاهن أو عدمه.

في هذه الأجواء المشحونة بالخوف والقهر والتسلط، تنكفئ مريم على ذاتها، تلزم غرفتها في غالب الأحيان وتعزل ذاتها عن المحيط الذي لم تر فيه سوى العداء والوحشية، إلى أن تدفع الصدفة في طريقها ذلك الشاب الوسيم.. الهارب من ملاحقة الاحتلال له ” منير” واقتحامه البيت للاحتماء من جند يلاحقونه، فيعجب بها ويرسل في خطبتها، لكنه لم يمض معها سوى أيام بعينها، يستشهد بعدها، حاملا معه كل ما كانت تحلم به من آمال، كأي فتاة في مثل سنها، لتعود من جديد إلى نفس الغرفة وحالة التشرنق التي زادت بعد وفاة أبيها وتسلط أخيها، الذي حاول مرارا الضغط عليها ودفعها لقبول أي عريس يتقدم لخطبتها، ثم أمها التي دفعها واقعها الجديد، لأن تكون أكثر صلابة وحدة في مواجهة ظروف الحياة وانعكاس ذلك عليها.

بعد حين تقرر الخروج من تلك العزلة والتعاطي مع الحياة بنفس العناد والقسوة التي تقابلها بها، فتسعى للالتحاق بالجامعة، ليقابلها رفض الأخ، لكن روح التحدي التي تأصلت في نفسها، منعته من المضي في غيه، فقوبلت بصلف آخر، تمثل في تعرضها للتحرش من قبل أحد الأساتذة هناك، موقف كاد يذهب بطموحها في إكمال الدراسة، لكنها تخطته بذات الصلابة التي اعتادتها و الشخصية المتمردة، التي راحت تتشكل في داخلها، رافضة ذلك الواقع المتسلط بكافة جوانبه وكأنها في حالة تحدي معه، سواء من خلال معاندته بالرفض المعلن لكل ما لا يعجبها، كرفضها لكل من تقدموا لها من كبار السن، طمعا في صباها واستسهالا لنيلها، كونها في نظر المجتمع أرملة تقبل بأي شيء، أو بانكفائها المتعالي عن كل ما يمت للواقع بصلة، مكتفية بأحلامها وسجائرها التي كان لها حضورا طاغيا في الرواية.

بعد موت ابيها وتبوء أمها مكانته، عادت الأم لممارسة التجارة بين مصر وغزة، التي كانت قد مارستها إبان الانتفاضة الأولى ومن خلالها كانت توصل الرسائل والمعلومات بين القيادة والعناصر في غزة، حيث تعرفت هناك على العديد من المسؤولين، الذين عرفت من خلالهم بعض الأصدقاء، من بينهم “عزيز” رجل الأعمال الفلسطيني المغترب، حيث نشأت بينها وبينه علاقة حب، انتهت بزواج سري، أفصحت عنه في زيارتها الأخيرة إلى مصر، يوم اصطحبت مريم معها إلى هناك، لتكون المفاجأة التي شكلت صدمة عنيفة لها وخلقت حالة من القطيعة مع الأم، سعى الزوج محاولا بلطفه المعتاد، رأب الصدع بين الطرفين، فهل نجح في ذلك؟.. إلى حد ما .

في تلك الزيارة تعرفت أيضا على جمال ابن عزيز، شاب وسيم في مثل سنها أو أكبر بقليل، شعرت بميل إليه وبادلها ذات الإحساس، لكن حذرها المتأصل فيها وإحساسها المفرط بالعدائية لكل شيء، دفعها للانكفاء والتعاطي بالصد والمراوغة في إبداء المشاعر، حتى أتت اللحظة التي تغلبت فيها عاطفتها على سدود الصد، التي تأصلت فيها وباتت تستريح لتلك العلاقة وتنجذب إليها، جاء موت والدتها جراء حادث سير، عقب جدال حاد دار بينهما، بمثابة نقطة انقلاب مزلزلة لكل مكنوناتها، فتنكفئ عائدة بجثمان أمها وحزنها وعقدة ذنب تصرخ في أعماقها، مشيرة إليها بأصبع الاتهام .

فتنفرد من جديد بذاتها.. بغرفتها وعلبة سجائرها التي لم تنطفئ على مساحة الرواية كلها، للهروب من واقع مسكون بالموت والفجيعة أو الانسلاخ عنه، تتكأ على بعض صداقتها، تستهويها فكرة إكمال دراستها العليا، تحصل على منحة في إحدى الجامعات المغربية، تلتحق بها وهناك تبدأ عالما جديدا، ثم تتفاجأ بجمال قادم في زيارة عمل، تستعيد العلاقة دفئها بينهما من جديد، لكن حادث سلب مباغت يودي بحياتها بين أحضانه.

بهذا الاختصار الشديد لمضمون الرواية، تمضي بنا الكاتبة في عوالم مفرطة في قسوتها وتسلطها وربما سوداويتها، دون بكائية أو هروب من الواقع، إلى مرابض الغواية أـو الانحراف وإنما نحو دروب المقاومة والتحدي وعدم التسليم بالواقع وما يحفه من عادات، تجبر المرأة في ظروف مشابهة إلى التسليم بشروطه والقبول بها، حتى وإن جاء ذلك على حساب آمالها واحلامها وتطلعاتها في تحقيق الذات والنهوض بها، جاء ذلك كله عبر لغة شاعرية جميلة، بعيد عن الإسفاف وإثارة الغرائز، فيها الكثير من الجماليات، التي تستحث القارئ على المتابعة، رغم قسوة المضمون الذي تحمله في مجمل الأحيان وبتكنيك كتابي يعتمد على السرد في الغالب والتداعي الداخلي ” المونولوج” في أحيان كثيرة والفلاش باك الذي استهلت به الرواية

رواية قد تكون صادمة للبعض، ممن يرون الواقع ورديا، لكنها تشخص واقعا نعاني منه جميع و خصوصا المرأة ، واقع أرادت الكاتبة أن ترسل من خلاله رسائل متعددة إلى بنات جنسها، مفادها ألا يستسلمن له مهما كانت الظروف والملابسات التي تحيط بهن وكذلك للرجل، عسى أن يرى فيها كائنا له حقوق يجب أن تحترم.

شكرا للكاتبة على هذا الجهد الجميل وتمنياتي لها بالمزيد من الإبداع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى