مجتمع

وللقدس سلام: أنور الخطيب

وللقدس سلام

بقلم: أنور الخطيب

القدس ليست أغنية نرددها، وليست قبة مذهبة، وليست مجرد أبواب يدخل منها الناس للذهاب إلى بيوتهم، وليس مجرد ساحة يصلي فيها المصلون حين يفيض المسجد بالمؤمنين، وليست مجرد مدينة لها سور أو أسوار، القدس نقطة الانطلاق إلى السموات السبع، وشاهدة على المعجزات، وقبلة الإنسانية أجمع، وهي الطريق إلى الله، فهي القلب والهدب والنبض والعشق والمعشوق، وهي أرض العتق والانعتاق، وابتهالات الأشواق للآفاق، وهي التاريخ والعز، في دروبها توحدت دماء كل من شهد أن لا إله إلا الله، ليكسب جاه الله وحب الله، وأي درب نحو السماء لا تمر بها دربٌ ناقصة الدراية والعلم والمعرفة الحقيقية.

القدس أكبر من كل المواقف التي يتجشأ بها السياسيون العرب وغير والعرب، وأكبر من أن تصونها لجنة تتذكرها في أوقات الشدة، وأعظم من أن تُرسل قضية الاعتداء عليها وانتهاك حرماتها وقداستها إلى مجلس الأمن الذي تحتكره وتسيطر عليه قوة تآزر وتساند وتحمي أولئك الصهاينة، وتضمن تفوقهم وتحرص على أمنهم وتقف إلى جانبهم وهم يرتكبون المجازر تلو المجازر، والدمار تلو الدمار، ويقومون بسرقة الأشجار والأحجار ويقتحمون الديار ويقتلون الأسرى وينبشون مقابر الشهداء.

القدس أكبر وأعظم من مؤتمر صحفي لجامعة تدّعي أنها جامعة للدول العربية، بينما هي مهترئة ومترهلة وساهمت بالدمار المنتشر كالغيلان والوحوش الكاسرة الجائعة في أكثر من أرض عربية، ولا تملك أمر نفسها، وهي أكبر من بيان تصدره مؤتمر المنظمة الإسلامية، هذا المؤتمر الذي يضم مئات الملايين من المسلمين، لم يحركوا ساكناً، والقدس تتعرض كل يوم لمجزرة حضارية وتاريخية، وأهلها يتعرضون كل يوم لأبشع أنواع التنكيل والتعذيب ومصادرة أدنى الحقوق، هؤلاء المسلمون في الدول العربية والآسيوية وأوروبا الشرقية وحتى الغربية يسمعون كل لحظة المعاول التي تحفر تحت المسجد الأقصى، ويسدون آذانهم بالقطن الأمريكي والهبات السخيفة والدعم التآمري الرخيص.

القدس تتعرض للاغتصاب يوميا، والتنظيمات التي تدّعي الإسلام لا تسمع صراخها، وربما تسمعه، لكنها مشغولة باغتصاب النساء وبيعهن في سوق النخاسة، وتهريب الأطفال إلى دولة الكيان الغاصب، والاستيلاء على الآثار الإسلامية والمسيحية والإنسانية ويبيعونها لمن يدفع أكثر، وخاصة للأعداء التاريخيين، هؤلاء الذين يرفعون الشارات التي تحوي اسم الله ورسوله، ويقاتلون (بشجاعة الأسود) كل من يقف في وجههم، ولا يتفق معهم في أساليب الذبح والخطف والسحل، يفعلون هذا وهم يشاهدون ما يفعله الكيان الصهيوني، لكنهم صمٌ عميٌ لا يفقهون.

القدس غائبة عن 90% من الإعلام العربي، هذا الإعلام المستهتر المتعري الداعر أحيانا، الذي يعمل بلا إستراتيجية ولا خطط، وإنما يخضع جزء كبير منه لمنطق السوق حتى يسوق الجميلات إلى سوق خفيّ لكنه معلوم، وجزء آخر وهو كبير أيضا مشغول بالثرثرة ليلا نهاراً عن حرب مفتعلة بين السنة والشيعة، وبين الحوثيين والقاعدة وجيش النظام، وبين المعارضة ونظام الحكم، مشغول بالفراغ السياسي هنا، وبالتخمة السياسية هناك، وبدجل وطني في مكان آخر، وبتمجيد البشر كالآلهة في مكان رابع، والقدس مستباحة، يتآمر القوادون فيدخلون (زناة الليل إلى حجرتها.. ويسترقون السمع وراء الأبواب لصراخات بكارتها)، ويصرخ المتبجحون بها حين تئن أو تتألم أو تصرخ (صوناً للعرض)، كما يقول الشاعر الكبير مظفر النواب.

المقدسيون وحدهم يخرجون بصدورهم العارية ويتصدون للمتطرفين ومصاصي الدماء بالحناجر والدهس واللعنات، الفلسطينيون الشرفاء وحدهم يستنشقون الغاز المسيل للدموع ويصلّون، يضربون (خيالة العدو) بالحجارة ويصلّون، ويمتشقون أرواحهم ويشهرونها في وجوه القادمين من وراء البحار ويصرخون (اخرجوا من أرضنا) ويصلّون.

لكن القدس ليست للمقدسيين وحدهم، ولا للفلسطينيين وحدهم ولا للمسلمين وحدهم، فلماذا يتخاذل الجميع ويكتفون بأضعف الإيمان، أو يعتلون المنابر ويحذّرون، بينما يمضي الصهيانة في غيهم وعدوانهم لأنهم يعلمون أن العرب والمليار مسلم أصبحوا مجرد هياكل عظمية تتحرك لا حول لها ولا قوة إلا الدعاء، هذا إن نطق أحدهم بالدعاء.

والدعاء وحده لن يحمي القدس من التهويد، ولن يجعلها عاصمة لـ(دولة فلسطين)، ولن يضمن صمود المقدسيين في بيوتهم، ولن يسند أساسات المسجد الأقصى من الانهيار.

ترى، ماذا سيفعل المسلمون والعرب حين ينهار المسجد الأقصى بكل ما فيه من شواهد القداسة؟ أجزم أنهم سيتصدون بالكلام ويلهجون بالدعاء وسيمتشقون الحناجر وسيخرجون إلى الطرقات، وستتصدى لهم الشرطة وسيقتلونهم ويسجنونهم وربما يعذبونهم ويحرقون حناجرهم، لأنهم تجاهلوا كل فلسطين والشعب الفلسطيني من قبل.

إن ما لا يعرفه المسلمون أو يعرفونه ولكنهم يدسون رؤوسهم في الرمال، أن كل المقدسات الإسلامية والمسيحية مهدّدة، والطموح الصهيوني لن يقف عند المسجد الأقصى، وها هي اياديهم وأذرعهم (الإسلامية) تدمّر كل ما تطاله أياديهم من مساجد وأضرحة وآثار إسلامية، وتتوعد بالهدم الأماكن المقدسة كلها في العالمين العربي والإسلامي.

هذا المقال لا يناشد أحداً، ولا يرجو أحدا، ولا يتوسّل أحداً، ولا يطلب الدعم من أحد، لأن المسألة تتعلق بأمرين لا ينفع معهما الكلام والاقناع هما: الرجولة والإيمان. وللقدس سلام.

 

 

 

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى