لا توجد تعليقات

وهم الثقافة والوعي المزيف

وهم الثقافة والوعي المزيف

وهم الثقافة والوعي المزيف

بقلم: جواد العقاد/ رئيس التحرير

تعاني الثقافة العربية في المقام الأول من مشكلات بنيوية تتجسد في ذلك النتاج الثقافي الوهمي الضخم، كل يوم تصدر عشرات بل مئات الكتب الجديدة، وتُقام مهرجانات ضخمة يُصرف عليها ملايين في مجالات الثقافة المتعددة، وفعاليات وأنشطة مستمرة، ومع ذلك فإنها لم تُشكل رافعة للوعي العربي، ولا حتى أدنى مقومات القيمة الحضارية بين شعوب العالم المتقدم، نحن العرب لدينا خلل في فهم الثقافة ذاتها، فليست رابطة عنق ولباقة في التحدث وبناء العلاقات العامة، وإنما هي النتاج المعرفي المُؤدي بالضرورة إلى التقدم الملموس في الجانب التربوي أولاً وبالتالي ينعكس على جميع جوانب الحياة، ونعترف بأن الثقافة من المفاهيم الملتبسة التي لا يُتفق على تعريفها، بيد أنها في إطارها العام تشمل جُملة العادات والتقاليد والدين واللغة والفنون والموروث المادي والمعنوي لأمة ما، والهوية الثقافية منجزٌ تاريخيٌّ حضاريٌّ وطنيٌّ قوميٌّ تراكمي يحدد بملامح خاصة، وأي شعب حي يتسم بهوية خاصة تتوارث عبر الأجيال، ولا يمكن لشعب يمتلك هوية أصيلة أن يُهزم حضارياً.
إذن، فالثقافة من المفترض أن تُشكّل عامل قوة للشعوب، إلا أن العرب اتخذت من الثقافة شبكة للعلاقات العامة والاستعراض، على صعيد الأدب هناك كثير من الأشخاص المُدّعون فقراء الموهبة والمهارات اللغوية اللازمة لإنتاج نص أدبي جيد ناهيك عن خلو نصوصهم من القيم المعرفية.

يبقى أي إنتاج ثقافي وهماً – من وجهة نظري على الأقل- ما لم يُسهم في صقل الوعي، ومع أني منحاز إلى جمالية العمل الفني، في الوقت ذاته أطمح جداً لأن يُسهم في الوعي الإنساني من خلال تضمنه معارف وثقافات قادرة على التبلور لتمارس دورها الإنساني والتقدمي والقومي. وإن وهم الثقافة مبني على مشكلات بنيوية أُخري في العقلية العربية، وتتمثل في انعدام التفكير النقدي في النظام التربوي العربي، الذي أنتج بالطبع خللاً في التلقي الثقافي عند الإنسان العربي، خاصة في القراءة كونها الرافد الأول للثقافة، ومن هنا لا أؤمن كثيراً بأن الشعوب العربية غير قارئة أو أن نسبة القراءة ضئيلة جداً، فهناك كُتب عربية تُباع منها آلاف النسخ، ناهيك عن المواد الثقافية المتعددة والمتوفرة عبر شبكة الانترنت، بكل الأحوال هناك قُرّاء عرب بعدد لا يُستهان به وإن كان ليس بالمستوى المطلوب، ومعظم هؤلاء القراء يتخذون القراءة هواية وتجليّاً جمالياً، ولا يتفاعلون مع النص كما ينبغي؛ لأن عقل الإنسان العربي تعوّد منذ النشأة في المؤسسة التربوية على التلقين والحفظ دون الإنتاج الموازي للنص المقابل من خلال مهارة التفكير النقدي والتفكيك.

إذن فالخلل الأول في الثقافة العربية أنها مبنية على التلقين والحفظ والاستهلاك على حساب ممارسة التفكير النقدي، فهذا الخلل التربوي امتد إلى الثقافة والإنتاجات المعرفية المتعددة، ولا يتوهم أحد أني أريد بحديثي هذا من القارئ أن يصبح مفكراً، وإنما أريد منه أن يكون منتجاً، بعبارة أخرى: على القارئ اتخاذ موقف من النص أو أي منتج ثقافي آخر، وإن لم يحدث هذا الأمر ويُقلب النظام التربوي رأساً على عقب، ويُعالج جوهر الفعل الثقافي سيذهب أي جهد في مهب الريح، علاوة على أن المثقفين وخاصة المؤسسة العربية الثقافية الرسمية والجهات الأخرى المنشغلة بالثقافة لا تملك رؤية استراتيجية لتحقق أهداف خاصة بها، ولعلي أكون محقاً إن قلتُ إنها تتخلى ضمنيّاً عن الهدف الأول للثقافة وهو بناء الوعي الإنساني.

قد يعجبك ايضا
وسوم: , , , ,

المزيد من المقالات المشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Fill out this field
Fill out this field
الرجاء إدخال عنوان بريد إلكتروني صالح.
You need to agree with the terms to proceed

القائمة