نصوص

قصة قصيرة.. من كتاب الطفولة: محمد البوجي

قصة قصيرة

الدكتور محمد البوجي

من كتاب الطفولة:

لم يكن صباحا عاديا فقد قالت له صباح الخير بحروف طازجة ونفس أنثوي يلهب الحواس ثم غابت بين أزقة المخيم، عاد في اليوم التالي ووقف بجوار الحائط يسنده ظهرت الحلوة تمشي على أرض تملأ الدنيا فرحا وزغاريدا ونطقت بحروف كرذاذ الثلج على صدر عاشق، صباح الخير، وهي تبتسم، فكر الصبي أن يستغل هذه الوقفة الصباحية الجديدة ويستثمرها في القراءة وحتى يثبت لها أنه ولد شاطر يستحق الابتسامة. كان الصبي يظهر صباحا يلبس الشبشب الوحيد في البيت ويمسك كتابه ويقرأ بصوت مسموع ويأخذ الشارع جيئة وذهابا وهو يقرأ، خرجت من باب الغيوم تلبس بلوزة حمراء وتنورة سمراء فوق الركبة بنصف شبر، كانت مؤدبة ومحافظة، تلبس جوارب بناتية يختلط لونها بلون اللحم، لون شفاف، ترى من خلاله الدنيا والآخرة وأسرار الكون. تعمد الصبي أن تكون خطواته مع آخر الجدار معادلا لحظة وصولها نقطة التقاء العين بالعين ليستلم أنفاسه الأبدية مغموسة برياح الجنة وروح الدنيا، صباح الخير، تبتسم وتظهر أسنانها البيضاء من غير سوء، هي ليست بحاجة إلى فرشاة أسنان، لم تكن حارتنا تعرف فرشاة الأسنان، كانت أسنانها ترسل ومضات كلمع الذهب، صباح الخير، تجرأت ذات مرة وتجاوزت حدود الأدب ونظرت إليها قبل أن تبتلعها أزقة المخيم ونظرت إلى جسدها من الخلف. لا يمكن لي أن أنسى ذلك المشهد الذي أرقني عدة ليال وأنا أحاول رسمه على الورق لكن كيف والأصل ملائكي الطلعة والبهاء، نورانية الحضور والاختفاء فلم ينم الصبي تحت وطأة تأنيب الضمير، كيف ينظر إلى ابنة حارته وهو المتدين يعلم الأولاد ترتيل الكتاب المقدس، وقد كان عدة سنوات يلعب معها الغماية والشاردة والحجلة وأحيانا كنا نقرأ نحن أولاد الحارة صبيان وبنات على حصرية واحدة تحت أشعة شمس الربيع وتنشر أمهاتنا اللحفة والفراش لتجفيفه من رطوبة الشتاء، كنا ننسخ كتاب القراءة خمس مرات في إجازة الربيع حسب طلب المدرس . آه اه ذهب الدين أحبهم وبقيت مثل السيف فردا.
الآن أتذكرها بعد بعد خمسين عاما من الفراق، وقفت أنا أبكي على الجدار نفسه حينما خرجت وهي تلبس بدلة الزفاف وأنا أشهق أنفاسي، أعرف أنها خرجت بلا عودة،هناك إلى بلاد النفط ذهبت، فنفضت نفسي من قراءة الصباح ومن، صباح الخير، ولم ألاحق حتى القطط وهي تختفي في أزقة المخيم.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى